السياسية || محمد محسن الجوهري*

ليس من العدل أن نقارن الجمهورية الإسلامية بغيرها من القوى الإقليمية كدول الخليج؛ لأن تلك القوى ليست مستقلةً بذاتها، وإنما هي أدواتٌ بيد واشنطن وتل أبيب، كما هو حال الرياض وأبوظبي. بخلاف طهران التي تشكّل محوراً مستقلاً في حد ذاته، وتمثل القوة الأخلاقية في المنطقة والعالم بأسره؛ فهي النقيض التام للمشروع الصهيوني، والتحالف معها ضرورةٌ لكل الأحرار للحفاظ على ما تبقى من سيادة الأمة، ولدعم صمود الشعب الفلسطيني ضد عصابات الاحتلال الإجرامية.

لقد أثبتت إيران قوتها من خلال الجولات القتالية الأخيرة؛ فرغم الضربات الموجعة واستشهاد قادتها الأجلاء، ازدادت قوةً ونجحت في توجيه ضرباتٍ مضادة للعدو وكسر هيبته في منطقة الخليج، وأثبتت للجميع أن المشروع الصهيوني لا يحمي أدواته، بل يورطهم في معاركه الخاصة ليقاتلوا نيابةً عنه ويتحملوا تكلفة القتال رغماً عنهم. ولو كانت الأنظمة الخليجية تملك قرارها، ما كانت لتقبل بهذه المهزلة التي لن تقبلها الجمهورية الإسلامية؛ فهي ترى أن السيادة أغلى ما تملك، ولو كان ذلك على حساب المكاسب المادية.

والأهم من ذلك كله، أن إيران ترسم في علاقاتها مع حلفائها نموذجاً يتجاوز منطق "التبعية" الذي تفرضه واشنطن؛ فهي لا تتعامل بمنطق المانح والمستنظر، وإنما تقدم نفسها كقوة أخلاقية وإسنادية تؤمن بأن الشراكة الحقيقية تكمن في إسناد الحليف حتى يعتمد على ذاته دون العودة إليها في المستقبل، فهي تنقل إليهم "عقلية الاقتدار"؛ لأنها تدرك أن الحليف القوي بذاته هو السند الوحيد الذي لا ينكسر. لذا نراها تركز على تأهيلهم تقنياً وعسكرياً، لتضع في أيديهم مفاتيح الإنتاج التي تُمكّنهم من بناء قوتهم الدفاعية المستقلة.

وهكذا يتعامل الأحرار مع الأحرار؛ فهي تزرع فيهم غريزة الاستقلال، بحيث لا يصبح السلاح الذي في أيديهم مجرد عهدةٍ خارجية، بل ملكيةً وطنية يطورونها ويحمون بها ديارهم دون أن يضطروا للعودة إلى عواصم القرار لاستئذانها في كل خطوة أو قرار. وبهذا النهج، تُحوّل إيران حلفاءها من مجرد مستهلكين للحماية الأجنبية إلى قوىً فاعلة، تملك من مقومات الردع ما يجعلها عصيةً على الكسر، وتلك هي المعادلة التي ترعب الغرب؛ لأنها تصنع شعوباً ترفض الانكسار.

وفي الحالة اليمنية شاهدٌ واقعي على عظمة الجمهورية الإسلامية من جهة، وعلى وضاعة أعداء اليمن من الأنظمة الخليجية من جهة أخرى؛ فإيران مكّنت "الأنصار" من أسباب القوة التي تحفظ كرامة الشعب اليمني حتى لا تستبيحه الجماعات التكفيرية الموالية للرياض. بالمقابل، فإن الأخيرة وجارتها أبو ظبي تمارسان الذل والإجحاف بحق عملائهما في الشمال والجنوب على حدٍ سواء، ولذلك ترى المرتزقة من الطرفين يتذمرون من تعامل السعودية والإمارات معهم، وكيف أن الكثير منهم قضوا على يد الرياض وأبوظبي، فيما البقية لا يزالون تحت نير الوصاية والعبودية المطلقة، لدرجة أنهما منعتا كل أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني، وأجبرتا الأحزاب الموالية لهما على التقارب القسري مع الصهاينة.

ختاماً، يبقى الفارق بين النموذج الإيراني ونموذج التبعية الخليجي هو الفارق بين "صناعة القرار" و"استجداء الأمن". فبينما يرهن البعض وجودهم تحت مظلة حمايةٍ لا تأتي وقت الشدائد، تختار إيران، ومن سار على نهجها، طريق السيادة الصعبة؛ لتثبت أن الأحرار لا يُحمون بقواعد الغرب، بل يُحصّنون بإرادتهم، وأن الحليف الذي يُعلّمك كيف تنتصر، هو وحده الذي يستحق أن تعيش معه بكرامة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب