عندما تطغى النزعة الإجرامية.. لا مكان للحوارات والدبلوماسية (أمريكا والسعودية والكيان.. انموذجا)
طوفان الجنيد*
في عالم الصراعات السياسية ومحاولة فرض الهيمنة الاستكبارية الواقعية، لا تُصنع الحقوق على طاولات المفاوضات بقدر ما تُصان بخطوط الردع الميدانية. وعندما تتبنى قوة ما "نزعة إجرامية" أو استعلائية قائمة على التوسع، الهيمنة، وفرض الأمر الواقع، تتحول الدبلوماسية التقليدية من أداة لفض النزاعات إلى مجرد "تكتيك للمناورة" وكسب الوقت لتثبيت المكاسب العسكرية. يُثبت التاريخ الحديث، والمسارات التفاوضية القائمة في المنطقة، أن الاستجداء السياسي أمام اختلال موازين القوى لا ينتج سلاماً، بل يصيغ شروط الاستسلام؛ فالمعتدي الذي ينطلق من عقيدة استعلائية لا يفهم لغة الحلول السياسية بل يرتدع فقط عندما تصبح تكلفة استمراره في الإجرام أعلى من مكاسبه.
أولاً: البنية المفاهيمية.. متى يسقط خيار الحوار؟
تستند الحوارات الدبلوماسية الناجحة إلى فرضية "الرغبة المشتركة في الاستقرار". لكن حين يواجه المجتمع الدولي أو حركات التحرر قوى استعمارية أو إمبراطورية الاستكبار العالمي (الأمريكي ومعه الادوات التنفيذية الصهيوني الغربي السعودي)، تسقط هذه الفرضية لثلاثة أسباب استراتيجية:
عقيدة التوسع وشراهة السيطرة الاستيطانية لدى قوى الهيمنة العالمية التي لا تبحث عن "نقطة التقاء"، بل ترى في التنازل الإقليمي أو السياسي مؤشراً على الضعف. وترى أن المفاوضات بالنسبة لها هي غطاء شرعي للاستمرار في قضم الأرض وتغيير الديموغرافيا.
شرعنة الأمر الواقع: تستخدم هذه القوى طاولة المفاوضات لفرض ما حققته بالآلة العسكرية أو مالم تستطيع تحقيقه كحقوق مكتسبة واساليب تكتيكية لا تقبل النقاش، ولا تلتزم بالتفاهمات مما يجعل الحوار وسيلة لتجريد الطرف الأضعف من خياراته القانونية والأخلاقية.
غياب كلفة الإجرام: طالما قوى الإجرام الامريكي الصهيوني العربي تمتلك غطاءً دولياً يحميها من المحاسبة (مثل الفيتو الأمريكي)، فلا يوجد حافز سياسي أو اقتصادي يجبره على تقديم تنازلات حقيقية. من هنا، يصبح "الردع القوي " هو اللغة الوحيدة التي تفرض على هذا المحور التراجع خطوة إلى الوراء.
ثانياً: نماذج من الواقع الجيوسياسي المعاصر
تتجلى هذه القواعد الاستراتيجية بشكل واضح عند تفكيك ملفات المنطقة الساخنة، حيث تتداخل النزعات الإجرامية الاستعلائية مع معادلات الردع الميداني:
1. المسار الإيراني الأمريكي الصهيوني تقاطع الارادات وحافة الهاوية)
في مربع الصراع الإيراني-الأمريكي-الصهيوني، يظهر بوضوح كيف تُدار الدبلوماسية كأداة ضغط مكملة للحروب الاقتصادية والعسكرية:
الاتفاقيات كأدوات احتواء مؤقتة: لعقود، أثبتت التجربة مع الاتفاق النووي الإيراني وملفات المنطقة أن واشنطن وتل أبيب لا ينظران إلى الاتفاقيات كالتزامات قانونية دائمة، بل كـ "وسائل تقييد واستنزاف". فالانسحاب الأمريكي الآلي من الاتفاقيات أو نكثها والتهديد المستمر بالخيار العسكري، يؤكد أن النوايا تتجاوز التسوية إلى الرغبة في التفكيك الكلي وصنع الانتصار على لطرف الآخر.
حتمية الردع العسكري: أدركت طهران مبكراً أن تطوير القدرات الصاروخية، وتوسيع نفوذها على الملاحة البحرية كمضيق هرمز ورفع نسب تخصيب اليورانيوم هي الأوراق الوحيدة التي تجبر الغرب على الجلوس والتفاوض بجدية. وبدون هذه القوة، لكانت الدبلوماسية أداة لتجريدها من عناصر قوتها تمهيداً لضربها.
2. النموذج الإقليمي (المفاوضات السعودية - اليمنية وموازين القوة)
يقدم الملف اليمني-السعودي دليلاً حياً على أن موازين القوى على الأرض هي الموجه الحقيقي لبوصلة الدبلوماسية:
من فرض الشروط إلى البحث عن مخرج: في سنوات الحرب الأولى، صُممت المبادرات الدبلوماسية لإجبار صنعاء على الاستسلام والقبول بالوصاية ولم تتغير هذه النبرة الاستعلائية وتتحول إلى رغبة سعودية في التفاوض المباشر إلا بعد تفعيل صنعاء لاستراتيجية "توازن الردع" عبر ضرب المنشآت النفطية العملاقة في العمق، وشل الملاحة البحرية لاحقاً.
معادلة التكلفة والعائد: النزعة الهجومية تراجعت عندما أصبحت كلفة استمرار الحرب اقتصادياً وأمنياً على الرياض أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية مفترضة. هنا، لم تنجح الدبلوماسية لعدالة القضية فحسب، بل لأن السلاح فرض واقعاً ميدانياً جعل السلام مصلحة حيوية للمعتدي أيضاً.
ثالثاً: الوساطة الباكستانية.. إعادة التموضع تحت ضغط الردع
بإدخال متغير "الوساطة الباكستانية" إلى المعادلة، ننتقل من مرحلة "إدارة الصراع" إلى مرحلة "إعادة تموضع القوى" لحماية مصالحها بعد فشل خيارات القوة المفرطة. لعبت إسلام آباد دور الجسر الصامت نظراً لعلاقاتها العسكرية مع الرياض، وجوارها المعقد مع إيران، ولم تكن هذه الحركة مدفوعة بمثالية السلام، بل بحسابات براغماتية دقيقة:
مأزق استنزاف الحلفاء: استشعرت إسلام آباد أن حليفتها الاقتصادية (الرياض) باتت تبحث عن مخارج حقيقية بعد أن تحول العمق السعودي إلى مسرح مفتوح لضربات الطيران المسير والصواريخ، وعجز المنظومات الدفاعية الأمريكية (كالباتريوت) عن توفير الحماية المطلقة.
الانتقال إلى التفاوض المباشر: قادت التفاهمات برعاية باكستانية (والتي تقاطعت لاحقاً مع جهود دولية أخرى كالصين) إلى قناعة سعودية بأن التفاهم المباشر مع صنعاء وطهران هو الخيار الوحيد لتأمين الاستقرار الداخلي والمشاريع الاقتصادية، بدلاً من الارتهان للوعود الأمريكية والصهيونية بنمذجة صراع لا ينتهي.
العقدة الأمريكية-الصهيونية المعرقلة: تظهر النزعة الإجرامية مجدداً في المحاولات الأمريكية الدائمة لغرض امر واقع جديد يتمثل في الاستباحة وبناء إسرائيل الكبرى لتعمل جاهدة لعرقلة أي توقيع نهائي للحلول المنتجة للأمن والاستقرار في المنطقة وما نراه اليوم من تلاعب ونكث التفاهمات الإيرانية الأمريكية لخير دليل وكذلك العمل على إفشال خارطة الطريق اليمنية-السعودية. والتي تحاول واشنطن استخدام الملف اليمني كأداة ضغط لثني صنعاء عن موقفها العسكري المساند لفلسطين ومواجهتها للكيان الصهيوني في البحر الأحمر، مما يثبت أن واشنطن وتل أبيب يرفضان أي استقرار إقليمي لا يخدم مصالحهما المطلقة.
ختاماً :
أن الاستراتيجية الإرهابية التي تستخدمها امريكا وأدواتها ومحاولتها إسقاط الحلول الدبلوماسية الناعمة وتتحركها بنزعة إجرامية للهيمنة التامة هي مراهقة سياسية لانها تجهل وتتجاهل أن "الحق الذي لا تسنده القوة هو حق عاجز." وان الدبلوماسية لا تلغي الحروب والدفاع عن الحقوق المغتصبة، بل تعكس نتائجها على الأرض. وان الوساطة الباكستانية — لم تنجح لأن النزعة الإجرامية ماتزال تعشش في عقول المعتدين وان السقوط الأخلاقي، لايؤدي إلى مكاسب حقيقية وان النوايا الصادقة هي التي تجعل الحوارات والتفاهمات حاجة ملحة له لحماية أمنه ومصالحه الحيوية.
اخيراً عندما تطغى النزعة الإجرامية، يصبح الميدان وفوهات البنادق هي القنوات الدبلوماسية الوحيدة ذات الجدوى.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

