السياسية - وكالات:



نشر موقع "فوكس" الأمريكي تقريراً يتناول مساعي ترامب لتحويل الجيش الأمريكي إلى قوة أمنية مأجورة، إذ تنص مقترحاته على فرض رسوم مالية أو الحصول على حصة نفطية مقابل حماية حلفاء الشرق الأوسط، ما يعكس تحولاً تجارياً جذرياً للسياسة الخارجية الأمريكية.


أفاد الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي 21"، أنّ أحد المواقف السياسية الأساسية للرئيس دونالد ترامب كان دائماً مطالبة حلفاء واشنطن بدفع المزيد مقابل استفادتهم من القوة العسكرية الأمريكية. وشمل ذلك مطالبة كوريا الجنوبية واليابان بزيادة مدفوعاتهما لقاء وجود القوات الأمريكية على أراضيهما، والتلميح بأنّ واشنطن ستفي بالتزاماتها الدفاعية في الناتو فقط تجاه الدول التي لا "تتخلف" عن سداد نفقاتها الدفاعية.

أضاف الموقع أنّ ترامب يبدو في الآونة الأخيرة ماضياً إلى أبعد من ذلك، إذ يدرس فكرة تحويل الجيش الأمريكي إلى نوع من القوة التي يمكن استئجارها.

وأشارت صحيفة "بوليتيكو" إلى أنّ مسؤولي إدارة ترامب كانوا يدرسون أفكاراً لتشجيع شركات الشحن المترددة على العودة لمضيق هرمز، رغم مخاوفها الأمنية عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران (وكان ذلك قبل إعلان إيران في 20 حزيران/ يونيو إعادة إغلاق المضيق). وتضمنت الأفكار نظام "مرور لكبار الشخصيات" بحيث تدفع شركات الشحن لواشنطن مقابل الحصول على مرافقة بحرية عبر المضيق.

وعلى نطاق أوسع، اقترح ترامب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي، أنّه إذا لم تلتزم إيران بشروط اتفاقها، فقد يفكر في جعل أمريكا "حارس الشرق الأوسط" مقابل 20 بالمئة من إيرادات المنطقة، لتصبح فعلياً قوة شرطة إقليمية تُموّل بأموال النفط.

أوضح الموقع أيضاً أنّ ترامب توسع في هذه الفكرة عبر منشور على منصة "تروث سوشيال"، رافضاً التقارير حول فرض إيران رسوماً على السفن العابرة للمضيق. وكتب: "لن تكون هناك رسوم في مضيق هرمز لمدة 60 يوماً خلال فترة وقف إطلاق النار، ولن تكون هناك رسوم بعد انقضائها، ما لم تفرضها الولايات المتحدة ولصالحها - حال عدم اكتمال الاتفاق - مقابل خدماتها كـ "ملاك حارس" لدول الشرق الأوسط، بهدف استرداد التكاليف السابقة والحالية والمستقبلية".

وذكر الموقع أنّ هذا التوجه يمثل تحولاً لافتاً لرئيس طالما شكك في جدوى الانتشار العسكري المكلف والانخراط في حروب خارجية. كما يبدو الأمر مثيراً للاستغراب لأنّ ضمان تدفق نفط الخليج عُدَّ السبب الأبرز للوجود العسكري الأمريكي الضخم هناك. فمنذ "مبدأ كارتر" عام 1980، مروراً بحرب الناقلات وعاصفة الصحراء، وصولاً لأحداث 11 أيلول/ سبتمبر والحرب على الإرهاب، ساهمت القوة الأمريكية في الحفاظ على تدفق النفط، ليس مقابل أموال يدفعها أمراء محليون، بل لأنّ ذلك يُعد مصلحة وطنية حيوية للولايات المتحدة.
وتبدو الرؤية الجديدة أقرب إلى قوة مرتزقة مدعومة من الدولة منها إلى دور "حارس عالمي".

تحويل الجيش الأمريكي إلى قوة للإيجار

في فترة ما، بدا أنّ ترامب يرى النموذج الأمثل للتفوق العسكري الأمريكي أشبه بنظام جباية للحماية، إذ تدفع الدول بسخاء للبقاء تحت المظلة الأمنية الأمريكية. لكن يبدو الآن أنّه يتبنى توجهاً تجارياً عابراً، يقوم على تحويل واشنطن إلى "مُعالج أزمات" عالمي للإيجار.

وأورد الموقع أنّ نموذج "البندقية الجاهزة للإيجار" يبدو تطوراً طبيعياً لنهج ترامب الحالي في السياسة الخارجية. فمن الواضح أنّ الرئيس ليس انعزالياً بأي حال، بل هو عولمي يميني لا يمانع التدخل عسكرياً للتعامل مع الأزمات الخارجية، حتى وإن لم تكن المصالح الأمريكية على المحك بشكل واضح. لكنه، خلافاً لأسلافه، يشكك بشدة في التحالفات والالتزامات الأمنية الصارمة، مشيراً إلى أنّ اتفاق الدفاع المشترك مع قطر العام الماضي، يعكس استخفاف إدارته بمثل هذه الصفقات أكثر من اهتمامها الحقيقي بأمن الدوحة.

وبدلاً من شبكة التحالفات والضمانات الأمنية التقليدية التي دعمت القوة العسكرية الأمريكية عالمياً لفترة طويلة، تبدو رؤية ترامب المثالية أحياناً أقرب إلى الصفقات التي أبرمتها روسيا مؤخراً لتقديم خدمات أمنية لحكومات أفريقية، سواء عبر مجموعة "فاغنر" العسكرية، أو عبر قوات شبه عسكرية تديرها الدولة مباشرة. وهذه طريقة مختلفة تماماً في النظر إلى دور القوة الأمريكية في العالم.

"تدهور" القوة الأمريكية

وبيّن الموقع أنّ التحول من "مبدأ كارتر" - الذي اعتبر أي محاولة للسيطرة على الخليج اعتداءً على المصالح الحيوية الأمريكية - إلى مقترحات ترامب بتحويل الجيش الأمريكي إلى ما يبدو نظرياً كقوة مرتزقة لصالح ممالك الخليج، يمكن اعتباره تجسيداً لما أسماه العالمان السياسيان هنري فاريل وأبراهام نيومان بـ "تدهور القوة الأمريكية".


واعتبر الموقع أنّ هذا المصطلح مستعار من وصف كاتب الخيال العلمي كوري دكتورو لكيفية انحدار جودة المنتجات الرقمية، خاصة منصات التواصل الاجتماعي التي تتحول مع مرور الوقت من تقديم خدمات مفيدة وممتعة إلى استغلال مستخدميها. وبالمثل، أمضت الولايات المتحدة عقوداً في إقناع حلفائها بنموذج يربط أمنهم واستقرارهم بتفوقها العسكري. والآن بعد أن أصبحوا مقيدين بهذا النموذج، ترفع واشنطن "رسوم الاستخدام".

في عهدي كارتر وريغان، كان من البديهي أن تستفيد واشنطن من التدفق الحر لنفط الخليج. أمّا في عهد ترامب، فيسعى الرئيس لضمان حصول بلاده على حصة من هذه العوائد.

ومع سعي ترامب إلى جني عوائد من التفوق العسكري الأمريكي، قد يتساءل "العملاء" المحتملون عمّا سيحصلون عليه مقابل أموالهم. فدول الخليج كانت تعيد النظر بالفعل في اعتمادها التقليدي على حليفها الأمريكي، حتى قبل أن يشن ترامب حرباً أدت لهجمات صاروخية على مدنها وإغلاق مضيق هرمز. ومما زاد الطين بلة، انتهاء الحرب ببقاء النظام الإيراني، واحتفاظه بمعظم برامجه الصاروخية والنووية. ولذلك، يصعب تسويق واشنطن كـ "ملاك حارس" في ظل هذه النتائج. ففي الوقت الحالي تدور محادثات لتطوير إطار أمني إقليمي يضم دول الخليج وإيران، ويستبعد الولايات المتحدة.

ولفت الموقع إلى أنّه ليس من الواضح مدى امتلاك واشنطن للقوة النارية اللازمة للعب دور "معالج الأزمات" العالمي. فقد استنزفت حرب إيران مخزون واشنطن من الصواريخ والمنظومات الاعتراضية لدرجة استدعت تحويل الموارد من بؤر التوتر العالمية الأخرى، ما دفع ترامب لجمع رؤساء شركات الدفاع الأمريكية بالبيت الأبيض للضغط عليهم لزيادة الإنتاج.

في عصر "حروب الذكاء الاصطناعي"، بات الجيش الأمريكي يعتمد بصورة متزايدة على خدمات الشركات الخاصة، مثل شركة "سبيس إكس" التي رفعت أسعار الإنترنت للمسيرات الانتحارية الأمريكية خلال حرب إيران، وشركة "أنثروبيك" التي اعترضت على استخدام منتجاتها قُبيل الصراع.

ورغم تراجع مكافحة الإرهاب كأولوية أمنية، أثبت الصراع الأخير استمرار معاناة واشنطن في حسم الحروب غير المتكافئة ضد خصوم أضعف يمتلكون الأفضلية الجغرافية والإرادة القتالية. فالولايات المتحدة لا يمكنها إزالة التهديد الأمني لخصوم مثل إيران، بل يمكنها فقط معاقبتهم وإضعافهم، وهو ما يفسر تهديدات ترامب المتكررة باللجوء للضربات الجوية حال تجاوز طهران للخطوط الحمراء.

وقال الموقع إن فكرة تولّي واشنطن دور "الحارس" الدائم للشرق الأوسط، تتناقض تماماً مع "السلام الأبدي" الذي وعد به ترامب قبل عام عقب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. فرغم عدم مرور العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأفضل لحظاتها حالياً، يبدو أنّ ترامب قد تبنى جزئياً الاستراتيجية الإسرائيلية المعروفة بـ "جز العشب"، والتي تفضل شن ضربات دورية لإضعاف الخصوم وإرباكهم، بدلاً من التورط في حروب استنزاف طويلة وممتدة.

واختتم الموقع تقريره بالإشارة إلى أنّ دور "الحارس" الذي يبدو في مخيلة ترامب، قد لا يشبه قوة الشرطة بقدر ما يبدو كـ "مقاول مأجور"، حيث يستبدل هدف الأمن طويل الأمد لواشنطن وحلفائها بمساعي تحقيق أرباح سريعة ومؤقتة.