الإمام الثائر حليف القرآن
قراءة في ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي (عليه السلام) لعام 1448 هـ ومنهجه الخالد في مواجهة الطغيان
نبيل الجمل *
في أواخر شهر محرم الحرام لعام 1448 هجرية، تطل علينا ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، لتعيد إلى الأذهان سيرة رجل وهب حياته ودمه في سبيل الله وفي إعلاء كلمة الحق ومواجهة الطغيان. هذا الإمام العظيم الذي لُقّب بـ "حليف القرآن" لطول ملازمته لكتاب الله وعميق فهمه لآياته، لم يكن مجرد ثائر في وجه حاكم ظالم، بل كان مدرسة فكرية وجهادية متكاملة، استمدت وجودها من قيم الإسلام الأصيلة التي ترفض الخنوع والذل، وتجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة حتمية لا تسقط بموت أو تهديد.
لقد عاش الإمام زيد في زمن بلغت فيه المظالم ذروتها تحت حكم الطاغية هشام بن عبد الملك، حيث عانى الناس من جور الولاة الأمويين، واستئثار السلطة بالمال العام، وضياع الحقوق والعدالة الاجتماعية. ومن وسط هذا الركام، ومن عمق البصيرة القرآنية، أدرك الإمام زيد أن السكوت على هذا الانحراف هو مشاركة فيه، فقرر أن يرفع راية الثورة والتصحيح. لم تكن حركته طلباً لمُلك أو سلطة أو مغنم شخصي، بل كانت صرخة حق مدوية لرفع المظالم عن المستضعفين، وإعادة الأمة إلى جادة دينها القويم وسنة نبيها المصطفى، مقتفياً أثر جده الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.
وعندما حانت ساعة الصفر في الكوفة، قاتل الإمام زيد ومعه ثلة قليلة من أصحابة الأوفياء ببسالة منقطعة النظير، مجسدين أعظم معاني الشجاعة والتضحية. وحتى حينما استُشهد بسهم غادر في جبهته، لم ينتهِ حقد الطغاة عليه؛ بل عمدوا إلى نبش قبره الشريف، وقطع رأسه، وصلب جسده الطاهر عارياً لسنوات في كناسة الكوفة، قبل أن يحرقوه ويذروا رماده في نهر الفرات. هذا التنكيل البشع والوحشي الذي مارسته السلطة الأموية لم يكن إلا تعبيراً عن رعبها الشديد من الفكر والنهج الذي يمثله الإمام زيد، وظناً منها أن إحراق الجسد سيحرق الثورة ويميت القضية.
لكن التاريخ أثبت عكس ذلك تماماً؛ فقد بقيت كلمات الإمام زيد وعباراته خالدة تزعزع عروش المستكبرين في كل عصر وأوان. فمن ينسى مقولته الشهيرة التي لخصت فلسفة الأحرار: "والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا"، وقوله الحكيم: "من أحب الحياة عاش ذليلاً"، وصرخته المدوية في وجه الحاكم الظالم: "والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت". هذه الكلمات لم تكن مجرد شعارات حماسية، بل كانت منهج عمل وقواعد مسيرة للشعوب الحرة عبر التاريخ.
إن إحياء ذكرى استشهاد حليف القرآن ليس مجرد طقس عابر للبكاء والندب، بل هو محطة سنوية بالغة الأهمية للتزود بالوعي والبصيرة، ومراجعة مواقفنا تجاه قضايا الأمة الراهنة. إنها مناسبة تلهمنا أن التضحية في سبيل الحق هي الخلود الحقيقي، وأن الدماء الزكية التي تسيل في مواجهة الظلم والعدوان لا تذهب سدى، بل تنبت عزة وكرامة في نفوس الأجيال، وتؤكد على الدوام أن الحق مهما طال عليه الزمن ومهما تكالبت ضده قوى الجور، سينتصر في النهاية، وأن مدرسة الإمام زيد ستظل حية نابضة بالحرية والعدالة إلى قيام الساعة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

