الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية تهديد صحي صامت
السياسية - تقرير: مهدي البحري*
تتزايد المخاطر الصحية الناجمة عن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية، ولا سيما تلك التي تُستخدم دون وصفة طبية أو استشارة طبيب مختص، فالاستخدام العشوائي لهذه الأدوية لا يقتصر ضرره على المدى القصير، بل يسهم على المدى البعيد في زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، ما يقلل من فاعلية العلاج ويهدد قدرة الجسم على مواجهة الأمراض والعدوى.
وتُعد مقاومة مضادات الميكروبات واحدة من أخطر التهديدات الصحية الصامتة عالمياً، إذ أصبحت البكتيريا قادرة على مقاومة أدوية كانت فعّالة في القضاء عليها، الأمر الذي يحول الالتهابات البسيطة إلى أمراض قد تهدد الحياة، ويزيد من مخاطر العمليات الجراحية وعلاجات الأمراض المزمنة، بما فيها السرطان.
وفي اليمن، يتفاقم هذا الخطر نتيجة انتشار صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، والاستخدام العشوائي لها، إلى جانب عدم التزام كثير من المرضى بإكمال الجرعات العلاجية، ما يسرّع من تفاقم ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية ويضاعف من آثارها على الصحة العامة.
وانطلاقاً من المسؤولية الملقاة على عاتق وزارة الصحة نُظمت العديد من الفعاليات والأيام العلمية ذات الصلة بالتعاطي السليم مع الأدوية خاصة المضادات الحيوية، حيث تم مؤخرا بالشراكة مع كلية الطب بجامعة صنعاء، تنظيم اليوم العلمي الوطني الأول حول مقاومة المضادات الحيوية (AMR) تحت عنوان "مقاومة المضادات الحيوية، من الوعي إلى العمل".
تضمن اليوم العلمي محاضرات حول خطورة مقاومة البكتيريا وتأثيرها المباشر على فشل العمليات الجراحية والعناية المركزة، وواقع مقاومة المضادات الحيوية في اليمن، والمسببات الناشئة، والتبعات السريرية لفشل العلاج.
وأكدت المحاضرات العلمية أهمية الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية في وصف الأدوية الحيوية، بما يضمن تجنب الأخطاء الشائعة في تناول تلك الأدوية، إضافة إلى تكثيف الجهود التوعوية للحد من الاستخدام الذاتي والعشوائي والمفرط لها في المجتمع.
ويعتبر اليوم العلمي خطوة متقدمة، وفرصة لتكثيف التشاور بين الأكاديميين ممثلي كلية الطب بجامعة صنعاء، وبين الجهة التنفيذية المتمثلة بوزارة الصحة، لترجمة البحث العلمي إلى سلوك عملي ينقذ الأرواح.
ويرى اخصائيون أن أسباب المقاومة في اليمن تتمثل بالبيع بدون وصفة، التشخيص الخاطئ لنزلات البرد الفيروسية، وترك العلاج قبل اكتماله، وأن مقاومة المضادات قد تعيدنا لعصر "ما قبل المضادات" حيث تصبح الالتهابات البسيطة قاتلة.
وأكدوا أهمية تدريب الأطباء والصيادلة على وصف المضاد الحيوي المناسب، بالجرعة المناسبة، للمدة المناسبة، مشيرين إلى دور المجتمع في تنفيذ حملة "المضاد الحيوي ليس لكل وجع" لتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الأمهات والعامة.
كما أكدوا أهمية تفعيل رقابة وزارة الصحة على الصيدليات، وإدراج التوعية بالمقاومة ضمن مناهج الكليات الطبية، وإنشاء نظام ترصد وطني للبكتيريا المقاومة.. لافتين إلى ضرورة تعزيز الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، وتطبيق إدارة المضادات عملياً، والالتزام بـ "الحقوق الخمسة" لوصف المضادات الحيوية، والتأكيد على دور البحث العلمي في إيجاد حلول وبدائل علاجية مبتكرة.
وأرجع الأخصائيون تفاقم المشكلة في اليمن إلى عدة أسباب أبرزها، الأدوية المهربة وغياب المختبرات لزراعة البكتيريا وتحديد المضاد المناسب، إضافة إلى الاستخدام الخاطئ للمضادات من قبل بعض الأطباء، فضلاً عن عدم وعي المجتمع بخطورة المضادات الحيوية على مناعة الشخص في حال استخدامها بدون وصفة طبية.
وبهذا الخصوص أكد وزير الصحة والبيئة الدكتور علي شيبان حرص الوزارة على توعية المجتمع بخطورة المقاومة للمضادات الحيوية، وتعزيز الاستخدام الرشيد لها ومكافحة مقاومة الميكروبات.
وأوضح أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، يعرّض صحة الإنسان لمخاطر جسيمة أبرزها ظهور بكتيريا خارقة مقاومة للأدوية، مما يجعل علاج الأمراض البسيطة مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة، وأن الإفراط في تناولها وسوء استخدامها يؤديان إلى تغيّر البكتيريا فتصبح مقاومة للدواء المستخدم في علاج العدوى، وتدمير البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يضعف المناعة ويسبب مشاكل صحية متعددة.
وشدد على ضرورة رفع وعي الأطباء حول المضادات الحيوية وسوء استخدامها، والتأكيد على عدم وصفها أو صرفها للمرضى إلا عند الضرورة، وبعد التأكد من نتائج الفحوصات المخبرية والزراعية لتحديد وجود البكتيريا ونوعيتها قبل البدء بالعلاج.
وكانت وزارة الصحة والبيئة في إطار تعزيز الوعي المجتمعي، عقدت نهاية العام الماضي ورشة عمل لإحياء الأسبوع العالمي للتوعية بمقاومة مضادات الميكروبات وأثرها على الإنسان والحيوان.
ناقشت الورشة التي شارك فيها أكثر من 250 مشاركاً من الأطباء والاستشاريين والصيادلة والأكاديميين وممثلي المختبر المركزي والمختبرات البيطرية وصحة الحيوان وبرامج مكافحة العدوى، أوراق عمل علمية حول التأثير المشترك لاستخدام المضادات الحيوية على صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
وأكدت توصيات الورشة، أن إنشاء البرنامج الوطني لترصد ومقاومة المضادات الميكروبية يمثل حجر الأساس لأي تدخل وطني قادم وذلك عبر بناء قاعدة بيانات وطنية موثوقة تدعم اتخاذ القرار ورسم سياسات الاستخدام والصرف والاستيراد وإدارة المخلفات في القطاع الصحي والحيواني والبيئي.
وشددت على ضرورة العمل ضمن أطر قانونية وتشريعية منظمة تشمل إصدار تشريع صحي يُلزم الصيدليات والمرافق بعدم صرف المضادات بدون وصفة طبية وإصدار قانون ينظم ويمنع دخول أو استخدام أي مضاد غير مصرح للحيوانات مع إصدار قائمة بالمضادات الممنوعة.
ودعت التوصيات إلى إصدار تشريع بيئي يمنع الاستخدام العشوائي للمضادات في الزراعة والمياه والتربة والمصانع ويُلزم المنشآت الصحية والبيطرية ومصانع الأدوية بإدارة المخلفات الدوائية وفق نهج الصحة الواحدة.
وأشارت إلى أهمية التكامل بين القطاعات وتسهيل مهام اللجان الوطنية المعنية بإصدار الأدلة والبروتوكولات التنظيمية والقوائم الرقابية بما يضمن حماية الصحة العامة واستدامة فعالية العلاج في البلاد
لم تعد مقاومة المضادات الحيوية تحديًا يلوح في الأفق، بل أصبحت أزمة صحية تتفاقم يومًا بعد آخر. فكل استخدام غير مبرر، أو وصفة خاطئة، أو جرعة علاجية غير مكتملة، يسهم في تقويض فعالية الأدوية التي نعتمد عليها لإنقاذ الأرواح. وبينما تتسارع وتيرة مقاومة البكتيريا للعلاج، يبقى الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، والالتزام بالإرشادات الطبية، وتعزيز الوعي المجتمعي، خط الدفاع الأول للحفاظ على فاعلية هذه الأدوية وضمان بقائها سلاحاً ناجعاً في مواجهة الأمراض للأجيال القادمة.
سبأ

