السياسية : تقرير|| مهدي البحري||


أطلقت الأمانة العامة للمجلس الوطني للسكان، تقرير حالة سكان اليمن 1448هـ / 2026م بهدف توفير قاعدة معرفية لصانعي القرار والجهات المعنية في مختلف القطاعات عند إعداد الخطط والسياسات المستقبلية بما يعزز مسار التنمية المستدامة في البلاد.

وركز التقرير الذي حصلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) على نسخة منه، على تحليل الوضع الديموغرافي لعام 2025م واستكشاف دلالاته وتوقعاته المستقبلية حتى عام 2035م، فضلاً عن انعكاسات الاتجاهات الديموغرافية المستقبلية على قطاعي الصحة والتعليم والقوى البشرية، والفرصة الديموغرافية في ظل التحديات الاقتصادية، والاتجاهات الديموغرافية المستقبلية، بالإضافة إلى ندرة المياه والاستدامة المائية والسياسات المقترحة وإطار العمل الاستراتيجي للتعامل مع التغيرات الديموغرافية المتوقعة.

وأوضح الأمين العام المساعد للمجلس مطهر زبارة، أن التقرير اعتمد على عمل منهج التحليل الديموغرافي والقطاعي من خلال ربط الاتجاهات الديموغرافية وانعكاساتها على القطاعات التنموية الرئيسية حتى عام2035م.

وذكر أن العام 2026م يمر بمرحلة دقيقة ومعقدة حيث تتقاطع تحولات ديموغرافية متسارعة مع تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية عميقة، نتيجة الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها البلد بسبب استمرار العدوان والحصار منذ العام 2015م، الذي أدى إلى تراجع حاد في النشاط الاقتصادي وتعطل واسع في البرامج التنموية ما انعكس سلباً على المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

وأفاد زبارة بأن هذا الواقع تسبب في بروز تحديات واسعة شملت توقف البرامج السكانية والتنموية، وضعف القدرة المؤسسية على التخطيط الاستراتيجي المبني على البيانات الحديثة، بالإضافة إلى حدوث موجات نزوح داخلية بلغت نحو ستة ملايين نازح حتى عام 2024م، ما زاد الضغط على الخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية، وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق المستضيفة واتساع رقعة الفقر والهشاشة الاقتصادية.

وأشار إلى أن سنوات العدوان والحصار وما رافقها من نزوح داخلي واسع النطاق وتراجع في الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، أفرزت واقعاً سكانياً ومتغيرات ديموغرافية تحتاج إلى توصيف وقياس أكثر دقة استناداً إلى بيانات حديثة، لافتاً إلى أنه نتيجة الأوضاع التي تمر بها البلاد جراء العدوان والحصار لا يمكن تنفيذ تعداد سكاني أو إجراء مسوحات وطنية متخصصة تغطي المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من أجل تقديم صورة أكثر دقة عن الوضع السكاني.

ولفت الأمين العام المساعد للمجلس، إلى أن إعادة بناء منظومة البيانات السكانية تمثل أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن تطوير الخدمات نفسها حيث أن التخطيط الفعال وإدارة الموارد في ظل الاتجاهات الديموغرافية المتسارعة لا يمكن أن يتحقق دون قاعدة بيانات حديثة ودقيقة تعكس أثر أكثر من 11 عاماً من العدوان والحصار والضغوط الاستثنائية على المتغيرات السكانية والديموغرافية.

وحسب التقرير فإن التقديرات السكانية لعام 2025م تشير إلى أن اليمن يمر بمرحلة ديموغرافية مفصلية إذ يقدر عدد السكان بنحو 35.3 مليون نسمة بمعدل نمول سنوي يبلغ 2.8 في المائة بمعدل خصوبة يقدر بنحو 4.5 طفل لكل امرأة، ويتميز الهيكل العمري للسكان بقاعدة فتية واسعة، حيث يشكل الأطفال ما يقارب 40 في المائة من السكان، بينما تمثل الفئة العمرية في سن العمل نحو57 في المائة.

وأوضح أن هذه المؤشرات تعني أن عدد السكان سيزداد بأكثر من 11 مليون نسمة خلال أقل من عقد، ليصل إلى حوالي 40.6 مليون نسمة في عام 2030م ثم إلى نحو 46.7 مليون نسمة بحلول عام 2035.. مشيراً إلى أن هذه الاتجاهات الديموغرافية لا تحدث في وضع سياسي أو اقتصادي أو مؤسسي مستقر، بل في ظل أوضاع استثنائية تمر بها البلد منذ عام 2015 نتيجة العدوان والحصار وما ترتب عليه من تراجع اقتصادي وتعطل العديد من البرامج التنموية.

وأكد التقرير أن ذلك أدى إلى إضعاف قدرة المؤسسات العامة على مواكبة النمو السكاني، ونتج عنه ضغوط متزايدة على قطاعات التعليم والصحة وسوق العمل وزيادة كبيرة في استهلالك المياه واستنزاف الآبار، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر واتساع نطاق النزوح الداخلي الذي قدّر بنحو ستة ملايين نازح حتى عام 2024.

وخلص التحليل المتكامل لكل ما تضمنه التقرير، إلى مجموعة من الحقائق الاستراتيجية الرئيسية، حيث سيواجه النظام التعليمي توسعاً عددياً كبيراً خلال العقد القادم، مع الحاجة إلى بناء آلاف الفصول الدراسية وتوفير عشرات الآلاف من المعلمين فقط للحفاظ على مستويات التغطية الحالية، فضلا عن تحسين جودة التعليم.. منوهاً إلى أن أي تأخير في التخطيط والاستثمار في التعليم سيؤدي إلى زيادة الكثافة الصفية وتراجع جودة المخرجات التعليمية.

ووفق التقرير فإن القطاع الصحي سيظل تحت ضغط متزايد نتيجة التركيب العمري الفتي وارتفاع عدد المواليد الأمر الذي يتطلب توسيع خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتعزيز برامج صحة الأم والطفل، إلى جانب التخطيط المبكر لمواجهة الزيادة التدريجية في الأمراض المزمنة المرتبطة بتقدم العمر.

وأفاد بأن سوق العمل يمثل التحدي الاقتصادي الأكبر خلال الفترة 2025–2035م، حيث من المتوقع أن يزداد عدد السكان في سن العمل بنحو 6.5 ملايين شخص.. مشيراً إلى أنه إذا لم يتم خلق مئات آلاف من فرص العمل سنوياً فإن البطالة والفقر مرشحان للتفاقم، وستتسع الفجوة بين العرض المتزايد من القوى العاملة والطلب المحدود عليها.

وأكد أن معادلة "الفرصة الديموغرافية"، ليست ضامنة للنمو الاقتصادي، بل احتمال تنموي مشروط بسياسات اقتصادية نشطة واستثمارات إنتاجية واسعة.

كما خلص التقرير إلى أن ندرة المياه تمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاستدامة السكانية والاقتصادية في اليمن، حيث أن النمو السكاني المتسارع والاعتماد الكبير على الزراعة واستنزاف المياه الجوفية ينذر بتفاقم الفجوة المائية خلال السنوات القادمة ما لم يتم تبني إدارة متكاملة للموارد المائية تربط بين التخطيط السكاني والبيئي.

ويمتلك اليمن قاعدة شبابية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية كبيرة إذا تم الاستثمار في التعليم النوعي والتدريب المهني وتحفيز القطاعات الاقتصادية كثيفة العمالة وتحسين إدارة الموارد الطبية وفي مقدمتها الموارد المائية وفي المقابل فإن استمرار الجمود الاقتصادي وضعف التخطيط قد يحول النمو السكاني إلى عامل ضعف من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.