قواعد الاشتباك الجديدة.. الندية التي فرضتها الخياراتُ الحتمية
مبارك حزام العسالي*
البيان التاريخي الصادر عن القوات المسلحة اليمنية اليوم، (6 صفر 1448هـ) الموافق 20 يوليو 2026م، بإعلان معادلة "الحصار بالحصار" وحظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، جاء كترجمة عملية لتحول استراتيجي واقعي فرضته ضرورة كسر حالة الركود الدبلوماسي التي طال أمدها، وإنهاء المعاناة الإنسانية الشاملة التي يتجرعها شعبنا العزيز لما يقارب اثني عشر عاماً دون وجه حق أو مسوغ قانوني؛ وتأتي هذه الخطوة لتعيد ترتيب أولويات المشهد، واضعةً حداً لسياسات المماطلة والالتفاف على حقوق الشعب اليمني واستحقاقاته المشروعة.
وفي هذا المقام، يعود بنا المشهد إلى ما تناولناه وحذرنا منه في مقال سابق نشرته "المسيرة" بتاريخ 14 أبريل 2026م؛ حيث قمنا بتفكيك أبعاد التيه الاستراتيجي لصانع القرار في البيت الأبيض، وأشرنا بوضوح إلى تلك المفارقة العسكرية المتمثلة في الهروب الأمريكي من مواجهة اليمن، وكيف أن حاملة الطائرات "يو إس إس جورج دبليو بوش" باتت تختار المسارات البعيدة وتتجنب العبور من البحر الأحمر وباب المندب خشية استهدافها من قبل القوات المسلحة اليمنية؛ بناءً على تلك القراءة، تساءلنا بصوتٍ مسموع: "كيف لمن يعجز عن حماية بوارجه من صواريخ صنعاء ومسيراتها في ممر ضيق كباب المندب، أن يحمي حلفاؤه في المنطقة؟"، ومؤكدين أن استمرار التعنت والتسويف والرهان على كسب الوقت لاستدامة حصار شعبنا، لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى دفع صنعاء نحو خيارات استراتيجية حاسمة لا خط رجعة فيها.
وهو ذات المسار الذي عززناه قبل أيام وجيزة في مقالنا المنشور بتاريخ 16 يوليو 2026م، حين توقفنا بالقراءة والتحليل أمام الخطاب التاريخي لقائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي أغلق الباب تماماً أمام محاولات كسب الوقت، معلناً المهلة الزمنية الأخيرة لقوى التحالف ومطلقاً عبارته الحاسمة: «ولنا بعد غد موقف وقرار»؛ بيان القوات المسلحة الصادر اليوم ليس إلا الترجمة العملياتية المباشرة لتلك المهلة القاطعة، وتحويل الإنذار القيادي إلى معادلات ميدانية تضع المطارات بالمطارات والموانئ بالموانئ والمواجهة الشاملة بالمواجهة الشاملة.
ويتجلى هذا التحذير اليوم حقيقة واقعة على الأرض؛ فالشعوب الحية التي تملك الإيمان والوعي، وصاحبة القضية العادلة، لا يمكن أن تستسلم لسياسة التجويع أو تقبل بفرض الأمر الواقع الإجرامي كقدر محتوم؛ وتكمن الإيجابية الجوهرية لهذه الخطوة الشجاعة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة برمتها، لتقوم على مبدأ الندية الكاملة وحماية السيادة الوطنية؛ برًّا وبحراً وجوًّا؛ ويقضي هذا التحول الجذري على أوهام الطرف الآخر بإمكانية استمرار حالة "لا سلم ولا حرب" التي أريد منها إنهاك الجبهة الداخلية في صنعاء اقتصادياً.
تبعاً لذلك، يجبر هذا الموقف الحازم كافة الأطراف الإقليمية الدولية على مغادرة مربع التغافل، والتعامل بجدية مطلقة مع استحقاقات الشعب اليمني السيادية والاقتصادية والإنسانية غير القابلة للتأجيل، وعلى رأسها إنهاء الحصار وفتح المطارات والموانئ وصرف الحقوق المنهوبة والتعويضات اللازمة والملزمة.
هذا القرار المفصلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشهد الجيوسياسي المعقد الذي يعيشه الإقليم اليوم؛ فمع حالة الاختناق البحري الشامل والتصعيد المستمر في مضيق هرمز، تضع خطوة صنعاء الملاحة الدولية والقوى المصدرة والمستهلكة للطاقة أمام فكي كماشة حقيقية.
ويسقط هذا التزامن الاستراتيجي تماماً أية رهانات دولية على عزل الملفات أو تجزئة الأزمات، ويؤكد للعالم أجمع أن استقرار المنطقة يمثل كلاً لا يتجزأ، وممره الإلزامي الوحيد يبدأ من رفع الحصار عن اليمن والاعتراف الكامل باستحقاقاته؛ لقد أثبت الميدان مجدداً ما طرحناه سابقاً من أن عهد "القطب الواحد" يتوارى اليوم خلف أمواج البحار التي لم تعد تخضع لصافرة "السمسار"، إنما لإرادة الشعوب الحرة.
إذن..
لقد اختصرت صنعاء المسافات، ونقلت المعركة من طور المعاناة الصامتة إلى طور المواجهة المباشرة والحاسمة؛ وكما حذرنا بالأمس من مغبة التعنت، نؤكد اليوم أن الالتفاف الشعبي المليوني وتفويض الميادين والساحات الذي شهدته عاصمتنا صنعاء والمحافظات في "جمعة التحذير والنفير"، هما الحاضنة الحقيقية والضمانة الصلبة لانتزاع هذه الاستحقاقات، وأن زمن الإملاءات قد ولّى إلى غير رجعة؛ فالحقوق والاستحقاقات تُنتزع بصمود الشعوب وبأس مقاتليها، ولا تُستجدى على طاولات المماطلة الدبلوماسية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

