مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة.. الرصاص يحاصر الخيام والعطش ينهك النازحين
السياسية - تقــــرير :
لم تعد الخيمة في مواصي خانيونس، جنوب قطاع غزة، ملاذًا من الحرب، بل تحولت إلى مساحة ضيقة معلّقة بين الحياة والموت؛ ففي كل ليلة ينام النازحون على وقع الرصاص، ويستيقظون على أخبار إصابة جديدة أو شهيد سقط قرب خيمته، فيما يتسلل العطش والجوع إلى تفاصيل يومهم القاسي مع تعطل وصول المياه والخدمات الأساسية.
وفي المنطقة التي لجأ إليها مئات آلاف الفلسطينيين هربًا من القصف الصهيوني، بات الخوف رفيقًا دائمًا للنازحين، الذين يواجهون الرصاص ونقص الماء والغذاء والعلاج في آن واحد.
في مخيمي البرج واليمامة ومناطق أخرى من المواصي، يقول السكان إن إطلاق نار العدو الإسرائيلي بات يتكرر بصورة شبه يومية، مخلفًا شهداء وجرحى، فيما تتحول الإصابة إلى بداية رحلة جديدة من المعاناة بسبب صعوبة وصول سيارات الإسعاف ووسائل النقل إلى أماكن الاستهداف.
ويقول محمد أبو ظاهر، أثناء عودته إلى المخيم، لـ صحيفة (فلسطين)، إن الرصاص الطائش حوّل حياة النازحين إلى جحيم، مضيفًا: "نستيقظ كل يوم على أصوات إطلاق النار والإصابات والشهداء، ولم تعد شاحنات المياه ولا باعة الخضار يصلون إلى المخيم كما في السابق".
ولا تتوقف المعاناة عند الخوف من الرصاص، إذ أدى استمرار إطلاق النار إلى تراجع وصول الخدمات الأساسية، بعدما أصبحت شاحنات المياه المحلاة والباعة المتجولون يتجنبون دخول المنطقة خشية الاستهداف، ما جعل السكان محاصرين بين خطر الموت وشح مقومات الحياة.
وفي أحد أزقة المخيم، يصرخ أبو علاء شيخ العيد في أطفاله مطالبًا إياهم بالانبطاح أرضًا والاحتماء من الرصاص، في مشهد يتكرر يوميًا حتى أصبح جزءًا من حياة الأطفال الذين كبروا على أصوات الحرب.
ويقول شيخ العيد إن المصابين كثيرًا ما يبقون دون إسعاف لساعات بسبب تعذر وصول سيارات الإسعاف، مشيرًا إلى أنه شارك مع عدد من السكان خلال الأسبوعين الماضيين في نقل جرحى على الأكتاف لمسافات تجاوزت كيلومترًا واحدًا حتى يتمكنوا من تلقي العلاج.
ومن بين هؤلاء الجرحى، عاد المدرس المتقاعد سليمان أبو عاذرة (75 عامًا) إلى خيمته بعد إصابته برصاصة في ساقه أمام مكان إقامته. ويقول إن الإصابة أفقدته القدرة على الحركة بصورة طبيعية، فيما زادت معاناته بعد توقف وصول المياه والباعة إلى المخيم، الأمر الذي جعل الحصول على أبسط الاحتياجات اليومية تحديًا مرهقًا، خاصة لكبار السن والمرضى.
وفي أحدث التطورات، أصيب ثلاثة فلسطينيين، بينهم طفل، بنيران صهيونية في جنوب مواصي خانيونس، فيما استشهد مفيد أبو العنين قرب خيمته في منطقة بئر 19، وفق إفادات سكان المنطقة.
وتحوّلت المواصي، التي أُقيمت فيها آلاف الخيام لاستقبال النازحين الفارين من مختلف مناطق قطاع غزة، إلى مكان تتلاشى فيه ملامح الأمان الذي بحث عنه السكان. فلا هم قادرون على البقاء بعيدًا عن خطر الرصاص، ولا يملكون خيار الرحيل إلى مكان أكثر أمنًا في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة الدمار.
وفي مواصي خانيونس، لم تعد الخيمة عنوانًا للنجاة، بل شاهدًا على معاناة تتجدد كل يوم؛ حيث يترقب النازحون لحظة وصول الماء كما يترقبون توقف الرصاص، ويحلم الأطفال بليلة ينامون فيها دون فزع، فيما يبقى الأمل بوقف الحرب هو الملاذ الأخير لعائلات أنهكتها رحلة النزوح والخوف وفقدان أبسط مقومات الحياة.

