الحشد الشعبي.. سر صمود العراق ودرعه الحصين
السياسية || محمد محسن الجوهري*
ينبض التاريخ الإنساني بملحميات كبرى، لكن قلة منها تلك التي تتشكل في لحظات المخاض العسير والموت المحقق. في منتصف عام 2014، واجه العراق واحدة من أشرس المؤامرات الوجودية عبر تاريخه الحديث، حين اجتاحت عصابات داعش الإرهابية مساحات شاسعة من أراضيه، وسقطت المدن الواحدة تلو الأخرى وسط تواطؤ إقليمي وصمت مخزٍ لمن ادعوا الحرص على الوطن وحمايته. وفي تلك اللحظة الفارقة، حين توارى الجميع واختفت القيادات السياسية التقليدية، انطلق النداء التاريخي للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف لتلبيته، وولد الحشد الشعبي من رحم المعاناة ليكون السد المنيع وسر صمود العراق وبقائه.
لم تكن هجمة داعش وليدة الصدفة أو نتاج تنظيم محلي معزول، بل كانت مشروعاً إقليمياً ودولياً مدروساً بعناية فائقة، هندست غايته الكبرى لتقسيم العراق وكسر شوكة محور المقاومة في المنطقة وتشير وقائع تلك المرحلة بوضوح إلى الدعم اللوجستي والمالي والإعلامي الذي تلقته تلك العصابات التكفيرية من عواصم إقليمية معروفة، وعلى رأسها الرياض وتل أبيب، وبإشراف استخباراتي غربي. لقد هدفت تلك المؤامرة إلى إسقاط العاصمة بغداد وتفتيت النسيج الاجتماعي العراقي، وأمام هذا المارد الإرهابي المدعوم بأحدث الأسلحة والقدرات القتالية العابرة للحدود، تقهقرت المنظومة العسكرية الرسمية في اختبارها الأول، وانسحب من كان يتشدق بالوطنية والشراكة السياسية إلى عواصم الشتات، تاركين الشعب العراقي بأطيافه ومكوناته يواجه مصيره المظلم وحده.
وفي ظل هذا الفراغ الرهيب والانهيار الميداني المتسارع، أطلقت المرجعية الدينية فتوتها للجهاد الكفائي، لتتحول شوارع ومدن العراق إلى أمواج بشرية هادرة من المتطوعين الشجعان. لم يكن الحشد الشعبي مؤسسة عسكرية تقليدية ذات ميزانيات ضخمة، بل كان تجسيداً حياً لضمير الأمة وروحها المقاومة حيث تدافع الشباب والشيوخ من شتى المحافظات، تاركين خلفهم حقولهم ومصالحهم وعائلاتهم، ليلتحقوا بجبهات القتال بأبسط العتاد وأعظم الإيمان. لقد شكل الحشد إطاراً جامعاً لكل العراقيين الأحرار، حيث سقط الدم الشيعي والسني والكردي والتركماني في خندق واحد، ليرسموا بدمائهم خارطة العراق الجديد الذي رفض الاستسلام للعدوان.
من جرف النصر إلى سامراء، مروراً بتحرير آمرلي وفلوجة، وصولاً إلى الموصل وتلعفر، سطر مقاتلو الحشد الشعبي ملاحم أسطورية في الشجاعة والصبر والثبات. لم يقتصر دور الحشد على استعادة الأرض، بل أعاد ترميم الكرامة الوطنية وأثبت أن الإرادة الشعبية الحية قادرة على قهر أحدث الترسانات العسكرية إذا ما توفر الإخلاص والعقيدة السليمة. لقد خاض الحشد معارك ضارية في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، وتحمل أعباء حرب مدن هي الأشرس في التاريخ الحديث، معتمدين على سواعدهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم، فكسروا شوكة التنظيم الإرهابي وأجبروه على الاندحار والانكسار أمام ضرباتهم المتتالية.
وما إن وضعت الحرب أوزارها وأعلن النصر النهائي على داعش، وانحسر الخطر الذي كان يهدد الجميع، حتى عاودت القوى المهزومة والقيادات السياسية الهاربة الظهور من جديد. وكأن شيئاً لم يكن، عاد أولئك الذين فروا عند أول اختبار إلى المشهد السياسي والإعلامي، لكنهم لم يعودوا لبناء ما دمره الإرهاب، بل لشن حرب جديدة من نوعها تتمثل في الشيطنة والإعلام المضلل ضد الحشد الشعبي وأبنائه الأبرار. تفننت وسائل الإعلام المأجورة في محاولة تشويه صورة الحشد وتلفيق الأكاذيب بهدف نزع الشرعية عن هذه المؤسسة الجهادية المقدسة التي أفسدت مخططاتهم الخبيثة، متناسين عمداً حجم التضحيات الجسام والدماء الزكية التي قدمها الحشد ليبقى العراق قائماً على قدميه.
إن الحشد يمثل عقيدة أمنية ووطنية راسخة، والضمانة الحقيقية لبقاء العراق وصون سيادته أمام الأطماع الإقليمية والدولية المتجددة. ومحاولات شيطنته واستهدافه، مهما اشتدت وتنوعت أدواتها، لن تزيد أبناءه إلا إصراراً وثباتاً على نهج التضحية والفداء. فالأمم الحية لا تنسى من صنعوا مجدها وحفظوا بقاءها، وسيبقى الحشد الشعبي الأيقونة الخالدة لسر صمود العراق ورمز عزته وكرامته على مر العصور.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

