السياسية || محمد محسن الجوهري*


صحيح أن عدد المسلمين يتجاوز المليارين إلا أنهم أغفوا فريضة إلهية كبرى وهي أن يجعلوا من عددهم ذلك أمة موحدة استجابةً لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، والمولد النبوي وإحياؤه فرصة مهمة وكبيرة لإعادة بعث الأمة الإسلامية حتى يتسنى لها الدفاع عن بعضها البعض وعن مقدساتها المحتلة وثرواتها التي ينهبها الغرب.

لقد أراد الله -سبحانه وتعالى- للمسلمين أن يكونوا كياناً متماسكا ً وجسداً واحداً، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وآله سلم في حديثه الشريف: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ، وتَرَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»، ولكن التفرق والنزاع أضعفا هذه الشوكة، وجعلا الأمة غثاءً كغثاء السيل، رغم ما تمتلكه من كثرة عددية هائلة.

وتأتي ذكرى مولد النبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم لتشكل نقطة انطلاق حقيقية لبعث الوعي الجمعي واستعادة روح التلاحم ونبذ الخلافات والنعرات الضيقة وتغليب المصلحة الكبرى للأمة على الاعتبارات القُطرية والسياسية المحدودة، إلى جانب تحقيق التكامل الاقتصادي والبشري لاستثمار الطاقات الهائلة التي تزخر بها البلدان الإسلامية بدل أن تكون لقمة سائغة ومستباحة لقوى الاستعمار والهيمنة العالمية، مع الوقوف صفاً واحداً في وجه التحديات والاعتداءات المتكررة التي تستهدف مقدسات الأمة وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.

فالأمة التي تجتمع على قائدها ومؤسسها الأول وتتعصب له فلن تقبل أن تتفرق كلمتها وأن تكون فريسة سهلة لأعدائها، وقد تنبه الأعداء فعلاً لأهمية المولد ودوره كمناسبة جامعة لكل المسلمين فعمدوا إلى تشويه المناسبة والتحذير منها وابتداع مناسبات أخرى لا توحدة الأمة، كالمناسبات الوطنية التي تفرق المسلمين وتكرس بينهم التعصب للمناطقية على حساب دينهم وأمتهم، وكذلك المناسبات المستوردة من الحضارة الغربية التي لا دلالة لها سوى استعباد البشر للغرب الرأسمالي.

وقد لعب النظام السعودي دوراً كبيراً في تفرقة الأمة بدايةً بإعلان الحرب على النبي -صلى الله عليه وآله، وطمس كل ملامح التمسك به وجعلوا منه شخصية ثانوية وغيبوها بالحديث عن قياداتهم من آل سعود، كما استحدثوا مناسبات خاصة مرتبطة بهم وأخرى مستوردة من الثقافات الإسرائيلية لتحل محل المناسبات الجامعة للأمة الإسلامية وأولها المولد النبوي الشريف.

لذا، فإن إحياء ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن يقتصر على المظاهر الاحتفالية فحسب، وإنما يجب أن تحول الأمة هذه المناسبة إلى "مؤتمر إسلامي سنوي دائم" ومحطة مراجعة شاملة، يُعاد فيها بناء منظومة التضامن الإسلامي، وتُستثمر الطاقات البشرية والمادية الهائلة للدول الإسلامية في تكامل اقتصادي ومعرفي يكسر التبعية المقيتة، وهذا ما تسعى إليه اليمن بقيادة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله، فقد أعاد للأمة هيبتها معتمداً على ذكر جده رسول الله -صلى الله عليه وآله- وهو الذكر الذي رفعه الله من عنده وجعله شرف للأمم وسبباً لنصرتها حتى آخر الدهر.

وبالتالي فإن معركة الوعي الكبرى التي تخوضها الأمة الإسلامية اليوم تبدأ حتماً من التمسك بالجذور الأصيلة والمصادر المضيئة لهويتها، وفي طليعتها الارتباط الوثيق والعميق بالنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الذي استطاع بحكمته ورسالته الإلهية أن يحطّم كل النعرات القومية والعصبيات الجاهلية، ليقيم مكانها أمة التوحيد والأخاء الإنساني الواسع.
وعلينا أن نتذكر أن كل محاولات طمس المناسبات الجامعة، أو تقويض رمزية المولد النبوي الشريف، واستبدالها ببدائل مستوردة أو مناسبات قُطرية وضيقة، ليست سوى حلقات في مشروع طويل الأمد يهدف إلى تفكيك الرابطة العقدية الكبرى للمسلمين، وإلهاء الشعوب عن قضاياها المصيرية ومقدساتها المستباحة.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب