سيكولوجيا "الزيطة": كيف تتحول الأهمية الزائفة إلى عزلة واستبداد؟
السياسية:
محمد محسن الجوهري*
تكتسب المفاهيم الشعبية دارجة الاستخدام أبعاداً عميقة حين تُفكّك أصولها النفسية وتُسقط على تحولات الواقع السياسي والاجتماعي. ففعل "يزيط"، الذي يُعبر في الثقافة الشفهية عن الغرور الشديد والانفصال عن الواقع نتيجة الثناء أو النشوة بالنجاح، يمثل في جوهره آلية نفسية قائمة على شقين: المبالغة التي تتجاوز حجم الإنجاز الحقيقي، والاندفاع غير الواعي الذي يلغي كوابح التوازن والرقابة الذاتية. وإن نقل هذا السلوك من إطاره الفردي الضيق إلى المساحة السياسية والمجتمعية الكبرى في الوطن العربي يكشف عن بنية سلوكية متكررة تبدأ بوضوح في محطتين تاريخيتين بارزتين: الطفرة النفطية وتجليات السلطة السياسية.
تمثلت المحطة الأولى في التحول الذي شهدته دول الخليج العربي عقب التدفق المفاجئ للثروة النفطية في منتصف القرن الماضي. فبعد عقود طويلة من العيش في بيئة شحيحة الموارد والتشارك الحياتي مع الجوار العربي، أحدث الفائض المالي السريع صدمة حضارية تحول فيها المديح الدولي والشعور بالوفرة الاقتصادية إلى الوقود الذي غَذّى الأنا الجمعية. لم تعد الثروة تُرى كأداة للتنمية المشتركة أو كمسؤولية تاريخية تجاه المحيط الإقليمي، بل تُرجِمت إلى شعور بالتفوق الاستثنائي وتصديقٍ مطلق لمقولة القدرة الفائقة على الاستغناء. أسفر هذا الانزياح النفسي عن تراجع تدريجي لمفاهيم التضامن القومي لصالح سياسات انكفائية حذرة، حيث أُغلقت الحدود وتأسست أشكال حديثة من التمييز البنيوي والاجتماعي ضد العمالة الوافدة وبالأخص العربية منها التي أسهمت سابقاً في بناء المؤسسات التعليمية والتنموية. لقد تحول الاستحسان المالي والعقاري الأولي إلى استرسال غير واعي في بناء جدران العزلة، مما جعل العلاقة مع الأشقاء تُختزل في أبعاد مادية بحتة خالية من روح الشراكة التاريخية.
وعلى الجانب السياسي المباشر، يتجلى السلوك ذاته في سيرورة الحكام والأحزاب السياسية عقب اعتلاء سدة الحكم، ويشكل النموذج التونسي المتمثل في تجربة قيس سعيد مثالاً حياً لهذا التحول. فعندما وصل سعيد إلى السلطة محمولاً على موجة عارمة من الاستحسان الشعبي الصادق والثناء على نزاهته وخطابه المحارب للفساد، تضخمت الذات السياسية تحت تأثير هذا الزخم الجماهيري. تحول الدعم الشعبي الأولي الذي كان ينبغي أن يكون تكليفاً مشروطاً إلى صك مطلق وإيمان راسخ بامتلاك الحق والفضيلة السياسية دون غيره. تدريجياً، دفع هذا الانتشاء بالقبول الجماهيري إلى الاسترسال في اتخاذ قرارات استثنائية، وإلغاء المؤسسات الدستورية والقضائية، وتهميش كافة القوى الحزبية والنقابية. لقد أدى العجز عن التقييم الموضوعي للذات والانسياق وراء نشوة المشهد إلى تحويل الخطاب الإصلاحي المرحب به في البداية إلى سلوك أحادي مزعج حاصر المجال العام وأعاد إنتاج نزعة الاستبداد، حيث "صَدّقَ" الفاعل السياسي دوره كمخلص مطلق، وانتهى به المطاف إلى قطع أدوات التواصل الحقيقي مع مكونات مجتمعه.
وفي مصر، شكّلت مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011 نموذجاً بارزاً لهذا التحول السلوكي لدى جماعة الإخوان ؛ فمع فتح المجال السياسي، استغلت الجماعة تاريخها الممتد في التغني بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وتبني القضية الفلسطينية كشعار استقطابي محوري، وهو ما كان سبباً رئيسياً في كسب عواطف الشارع ونيل الأغلبية البرلمانية والرئاسة. غير أن هذا الفوز استُغل لـ "تضخيم الذات" وتفسير النتائج كتفويض شعبي مطلق ودائم. وبدلاً من الوفاء بالوعود المتعلقة بالقضايا الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تراجعت خطاباتهم وأفعالهم العملية عنها فور جلوسهم على كرسي الحكم في إطار محاولات التودد للقوى الدولية اندفعت الجماعة في "استرسال غير واعٍ" نحو التغلغل في مفاصل الدولة وتمرير الدستور بشكل أحادي. هذا الاندفاع والسلوك الإقصائي، إلى جانب الانقلاب على الشعارات المرفوعة، حوّل التعاطف الشعبي الأولي إلى حالة من التوجس والاحتقان، مما سرّع بسقوط تجربتهم السياسية في فترة وجيزة.
إن خطورة ظاهرة "الزيطة" السياسية والاجتماعية تكمن في كونها لغة لا تعترف بالمراجعة الذاتية أو التقييم المستمر، حيث يتحول الثناء والوفرة من أدوات للبناء والتمكين إلى محركات للعزلة والتصلب. وسواء تجسدت هذه الظاهرة في استعلاء اقتصادي يقطع الروابط التاريخية بين الشعوب، أو في جموح سياسي يفرغ الديمقراطية من محتواها، فإن النتيجة الواحدة هي الانفصال عن الواقع الحقيقي وسقوط التجربة بأكملها في فخ الأهمية الزائفة التي تُقصي الأطراف وتخلق الانسداد في نهاية المطاف.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

