الكيان في سورية ودمشق مشغولة باليمن
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في الليلة التي سقطت فيها دمشق احتفل الكيان الصهيوني ليلتها بقصف المدينة بأكثر من ١٥٠٠ غارة واعلان استباحة الحدود السورية منذ ذلك التاريخ وتقدم قواته في عمق ثلاث محافظات سورية وعلى مرمى حجر من دمشق نفسها.
ولولا أن غزة العزة قد انهكت جيش الاحتلال لكان اقتحمها في وضح النهار في الوقت ينشغل فيه حكامها الجدد بتكفير الأمة الإسلامية ومعاداة كل الأحرار فيها وعلى رأسهم رجال الرجال في اليمن.
كيف يستطيع خطاب يرفع راية الإسلام أن يجعل مواجهة اليمنيين أولوية، بينما جيش العدو الإسرائيلي، الذي لا يحتاج إلى تعريف أو تفسير، موجود على الأرض السورية نفسها؟
كيف يمكن لمن يرفع شعار السيادة السورية أن يقبل واقعاً تتحرك فيه قوات أجنبية داخل الأراضي السورية، ثم ينشغل سياسياً بمعارك مع اليمنيين الذين يعلنون أن جزءاً أساسياً من صراعهم هو مواجهة إسرائيل ونصرة غزة؟
المفارقة لا تتوقف هنا.ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تقصف سورية وتدمر منشآتها العسكرية وتوسع وجودها في الجنوب، كانت السلطة الجديدة تخوض معاركها السياسية والإعلامية ضد خصومها في المنطقة، وتتعامل مع اليمن باعتباره خصماً ينبغي إدانته ومحاصرته سياسياً. بينما كان الإسرائيلي الذي يقف فعلياً داخل الأرض السورية يفرض واقعاً جديداً على الأرض.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يوجه إلى «سورية الجديدة»: لماذا هذا الغضب من اليمن، وهذا الهدوء تجاه إسرائيل؟
لماذا تصبح الصواريخ التي تطلق من اليمن على إسرائيل جريمة تستحق الإدانة، بينما الصواريخ والطائرات الإسرائيلية التي تضرب سورية نفسها تتحول إلى ملف دبلوماسي يحتاج إلى «تهدئة» و«وساطة» و«تفادي التصعيد»؟
لماذا يُطلب من السوري أن يتضامن مع الرياض في حربها ضد اليمن، بينما لا يُطلب منه أن يتعامل مع إسرائيل باعتبارها القوة الأجنبية التي تحتل جزءاً من بلاده وتتوغل في الجزء الآخر؟
إن القضية هنا ليست حباً لليمن ولا كرهاً للسعودية بقدر ما هي اختبار لمفهوم السيادة نفسه. فإذا كانت السيادة مبدأ، فهي لا تكون انتقائية. وإذا كان الاحتلال جريمة، فلا يصبح جريمة عندما يقع في فلسطين وسورية، ثم يتحول إلى «هواجس أمنية» عندما تمارسه إسرائيل. وإذا كان التدخل الأجنبي مرفوضاً، فلا يجوز رفض تدخل دولة وقبوله عندما يأتي من دولة أخرى.
والأغرب أن القيادة السورية الجديدة نفسها لم تعد تملك حجة تجاه الخطر الإسرائيلي. فهي تعرف أن إسرائيل تتحرك في الجنوب، وتعرف أن الغارات تطال الأراضي السورية، وتعرف أن العمليات وصلت إلى مناطق قريبة من دمشق. وقد أدانت دمشق بالفعل الهجمات الإسرائيلية ووصفتها بانتهاك السيادة السورية، كما أن السعودية نفسها أدانت الضربات الإسرائيلية على سورية وطالبت المجتمع الدولي بالتصدي لها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

