السياسية || علي مجمل حمزة*

قد يرى البعض أنها مبالغة عندما نضع مصائرنا وأوطاننا تحت هذه النظرية ونلغي إرادتنا على تحديد خياراتنا التي بأيدينا في بناء أوطاننا، لكن للأسف الحقيقة أن الأوطان مسيطر عليها بطريق ينتهي إلى قوى النظام العالمي الذي محركه يتبع أمريكا وإسرائيل.

فإذا تحققنا من حياة الشعوب سنجد الإعلام العالمي المتنوع الذي غزا المجتمعات في طريقة لبسهم وتفكيرهم وتنظيم الأسر، لوجدنا اختلافاً عن البيئة الحقيقية للشعوب، عبر ما يصل إليهم من أفلام وبرامج، وهذا الإعلام تسيطر عليه رموز تنتمي إلى النظام العالمي ونشر ثقافة التحرر للمرأة التي تنافس الرجل في رجولته، والرجال الذين يخضعون لهذا الغزو حتى انسلخت المرأة عن دورها في تأسيس الأسرة وتربيتها (مع أن المرأة هي أساس الحياة المثالية)، وهذا أوجد أجيالاً لا تهتم بكرامتها ونشأتها وبناء أوطانها، فقط يهتمون ب-(الحلم الأمريكي)، فتخدرت الشعوب.

فكيف تريد النهوض وهي ولا تقاوم الغزو الفكري المصطنع في أروقة الإعلام؟

قاموا بزرع الحرية والتغيير ولكن بطرق مختلفة ومعروفة لم تستطع ر على النخب المهتمة بأوطانها، لم يكن هذا سريعاً، بل على أمد طويل وصبر ومتابعة في خلفيات الشعوب.

من جانب آخر، مصانع الأدوية التي يتم فيها تغيير جينات الأجيال واضعافها وفق ما كشفته العديد من المختبرات التي حذرت من خطورة هذه الأدوية.

تدخلات شركات النظام العالمي فيما تأكله الشعوب ومنعها للكثير من الدول من زراعة ما تأكل عبر المساعدات التي تقدمها المنظمات والبنوك التي تخدمها بشروط عدم الإنتاج والزراعة واجبار الحكومات على تلك الشروط، وهذا مثبت في المعاهدات التي يوقع عليها زعماء الشعوب المكلومة.

ثم قامت بخلق النزاعات الطائفية والحدودية ودعم الاقليات بحجة الاستقلال عبر وكالاتها الاستخباراتية، وإدخال الأسلحة لتغذية هذه النزاعات، والقضاء على أي تحرك لبناء مصانع السلاح في أي دولة منافسة، وبهذا استطاعت تسخير من دربتهم ثم دعمتهم على السيطرة على الأوطان تحت إدارتهم.

كل هذا اتضح وعرف وكشف؛ فكل شعب أراد أن يستقل من سيطرة هذا النظام تحصل فيه انقلابات، وبما أن الإعلام المرئي تحت أيديهم زرعوا في الشعوب الاستقلال والخروج على حكامهم لكي تُبنى أوطان قد غُذيت بمعتقدات مخالفة لطريقة حياتها والمطالبة بالحرية المكتوبة في دهاليزهم في نشر الشذوذ والقبول به، العري والزواج المدني وفتح النوادي الليلية وأشياء لا علاقة لها أصلاً بالحرية، في مقابل نزع السلاح والرضا وقبول التطبيع مع عدو الأمة الإسلامية والبشرية.

كل هذا وأكثر يعلمه المراقب للنشاطات الحاصلة في المجتمعات تحت مسمى الربيع العربي. هذا جاء عبر نظام التعليم والمناهج المأخوذ منهم وإدخاله للمدارس والمعاهد والجامعات التي تدار عبر نخب علمية درست في مدارسهم وجامعاتهم، وصدرت هذه العقول للسيطرة على التعليم في أوطاننا بحجة الحداثة وتغيير المناهج الدراسية القديمة.

إذاً، نحن نتعرض لمؤامرة مدروسة وممنهجة وخطة مدروسة غيرت طريقة تفكير المجتمعات.
لكن هذا كله لم يُترك للصدفة أو أنه غير معروف، فقد قامت عقول مناهضة لكل هذا تخرّجت من مدرسة الأخلاق الكريمة والعلوم النبيلة والمنهج التربوي الصحيح والفكر الناضج الذي يعلم كيف يوقف هذا الواقع المفروض، حين خرجت شرارة ردع قوية (تمثلت في نهضة الخميني عام 1979 وسعي إيران للتحرر من الهيمنة الأمريكية والغربية عبر شعار "لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية"، ورفض التبعية للقوى العظمى، وتبني سياسة تصدير الثورة ومواجهة النظام الدولي القائم، ومطالبتها بالاستقلال للأراضي الفلسطينية المحتلة).

وكانت تبعاتها في تصدير هذا النهج في:

العراق والخليج العربي: (محاولة التأثير على الشيعة في العراق ودول الخليج لتكرار التجربة الثورية).

لبنان: (دعم وتأسيس قوى المقاومة الإسلامية (مثل حزب الله) لمواجهة النفوذ الإسرائيلي والغربي).

الأراضي الفلسطينية: (تقديم الدعم للفصائل الفلسطينية (مثل حماس والجهاد الإسلامي) في إطار مناهضة إسرائيل).

المنطقة العربية والإسلامية عموماً: (التواصل مع الحركات المعارضة لأنظمتها الحليفة للغرب تحت شعار مقارعة الاستكبار العالمي).

هذه الحركات التي لا تمثل إيران في وقتها بسبب النظام التابع لقوى النظام العالمي، خرجت حاليا من إيران إلى هذه الدول التي استطاعت بناء مجتمعاتها وإعادتها لطريق النهضة الحقيقية للشعوب.

وعلى هذا الأساس، انتبهت قوى الشر وقامت بشن حرب على هذا الفكر وجعلت العالم التابع لها ينبذ هذه النهضة ويحاصرها ظناً منها أن هذا هو السبيل حين زرعت الفكر الخاص بها في هذه الشعوب لتكبح هذه الثورة.
لكن تحرر الشعوب أوجد الإرادة التي قامت ببناء مجتمعاتها بالتعليم الصحيح وزراعة أراضيها بما يكفيها، وفتحت المصانع الكبرى لتصنع ما يحتاجونه، وأيضاً تصنيع السلاح بإمكانيات بسيطة طورتها العقول الفذة لتحمي بها حدودها.

في كل هذا الصراع، خرج فكر موازي في اليمن استلهم من النهضة الحرة التي كانت تلهم العقول الحرة ممثلة (بالسيد حسين بدر الدين الحوثي) بمنهجها التحرري المستمد من الأسس القرآنية المناسب للفكر اليمني المترسخ في الحفاظ على الكرامة ونبذ السيطرة على الأراضي اليمنية.

حينها كان النظام الحاكم موالياً للنظام العالمي الذي بدوره انتبه لهذه الحركة المجددة في رفضها للانصياع والخنوع، وكانت هذه الثورة ركيزة جديدة للمطالبة بإيقاف الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية وترك التبعية للنظام العالمي الظالم.

كان لهذه الحركة صعوبات كبيرة من النظام وأدواته بدعم إعلامي واستخباراتي وعسكري عالمي عبر أدوات التبعية الإقليمية، كانت نتيجتها حرباً عسكرية كبيرة استشهد فيها القائد العلم وكثير من أتباعه. وظن هذا النظام أنه أسكت وأوقف هذه الثورة، ولكن لم يكن له ما أراد، وذلك لأن الفكر استمر وخرج أقوى مما كان عليه بفضل الله والقائد العلم (السيد عبد الملك بدر الدين).

وتوالت المؤامرات والحروب واستمرت الثورة التي ننظر إليها اليوم موازية للقوى العالمية في التصنيع الحربي وفرض القوة إقليمياً، وأصبحت هي المتصدرة متعاونة مع محور المقاومة الذي غير مصير الشعوب إلى نزع استقلاليتها وحريتها في بناء أوطانها مع التركيز على القضية الفلسطينية الرئيسية. والتي كانت مغلوبة على أمرها في نزع حريتها من الاحتلال الإسرائيلي على أراضيها. بما صنعت من ثورة في معركة (طوفان الأقصى) التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023م والتي غيرت معادلة النظام الاستبدادي، وأصبحت امتداد لثورة الشعوب الحرة حين كُشف العالم وتخاذله وحرك الضمير الإنساني الساكت عن نصرتهم.

هنا نحن نعي أن الشعوب التي غيرت مساراتها الفكرية والمعرفية والسلوكية بما زُرع فيهم من خنوع وخضوع لقوى الشيطان (العالمي المسيطر عليه من النخب التي تسيطر على النظام العالمي في أمريكا وإسرائيل ومن تبعهم)، استطاعت الخروج من هذا الوحل وأسست أنظمة موازية للفكر الدخيل بفكر حر ونقي متمثل في التعليم والتصنيع وبناء المؤسسات والشركات والمصانع بنخب وطنية فذة نقلت المجتمعات إلى النجاح رغم الحرب الكونية عليهم.

لا يوجد مستحيل طالما أن إرادة الشعوب بأيديهم، ولن يرضى النظام المستكبر بهذا الوضع وسيقوم بدس المؤامرات وتخريب كل ما بُني، لكن لن ينجح في ذلك لأن الشعوب عرفت ما تريد وسعت له، وستتغير معادلة القوى والأيام كفيلة بهذا النهج والنهوض، وستكون العقبات كبيرة على نهضة الشعوب، لكن كل هذا يهون مقابل ردع قوى الظلم والاستبداد العالمي.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب