السياسية - رصد:
رشيد الحداد*




وسّعت قوات صنعاء، خلال اليومَين الماضيَين، مسرح عملياتها العسكرية في العمق السعودي، بادئةً موجة ضربات صاروخية هي الأعنف منذ عودة التصعيد بينها وبين الرياض أواخر تموز الماضي. واستهدفت هذه الموجة عدداً من القواعد العسكرية في جنوب المملكة وجنوب شرقها، وأدّت إلى إخراج بعض تلك القواعد عن الخدمة كلياً، ولا سيما منها «شرورة» جنوب شرقي المملكة، التي طاولتها الصواريخ والمسيّرات اليمنية للمرّة الأولى.

وجاءت العمليات الجديدة، التي استُخدمت فيها صواريخ باليستية ومجنّحة وطائرات مسيّرة حديثة، في إطار معادلة الردع والردّ المباشر على الهجمات التي نفّذها الطيران الحربي السعودي في ستّ محافظات واقعة تحت سيطرة حركة «أنصار الله» في اليمن. وهي حملت أكثر من رسالة إلى الرياض، على رأسها احتفاظ صنعاء بقوة ردع جوية كبيرة، وقدرتها على المناورة وتجاوز منظومات الدفاع الجوي التي تمتلكها السعودية، فضلاً عن إصابة أهدافها في مختلف مناطق المملكة.

وأتى التصعيد الصاروخي الأخير في اتجاه المملكة، ردّاً على الغارات الهستيرية التي شنّها الطيران الحربي السعودي منذ سقوط الساحل الغربي ومضيق باب المندب تحت سيطرة قوات صنعاء، الخميس الماضي. وكانت هدّدت فصائل التحشيدات الموالية للرياض بتنفيذ سيناريو «الأرض المحروقة» في الساحل الغربي. وفي إطار هذا «الردّ المشروع»، أكد مصدر عسكري في صنعاء، لـ«الأخبار»، أن «مسرح العمليات الجديد في العمق السعودي اتّسع بشكل تدريجي، وامتدّ مؤخراً من جنوب المملكة إلى جنوب شرقها»، مشيراً إلى أن قوات صنعاء أضافت عدداً من المواقع العسكرية في العمق السعودي إلى بنك أهدافها. ولفت إلى أن العمليات التي نفّذتها القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر، خلال 48 ساعة، غطّت مناطق جنوب المملكة كافة، وتسبّبت في إخراج قاعدة «الملك خالد الجوية» في خميس مشيط عن الخدمة، وهو ما حال دون هبوط الطائرات المعادية التي نفّذت هجمات على عدد من المحافظات اليمنية، فيها. ووفق المصدر نفسه، فإن الهجمات الصاروخية اليمنية طاولت أيضاً قاعدة «الملك فهد» في منطقة الطائف، وعدداً من المواقع في منطقة أبها، حيث سُجّل توقف كلّي في حركة الطيران المدني لساعات.

استهدفت صنعاء للمرة الأولى مخازن الأسلحة وغرف القيادة والسيطرة في «شرورة»

وكان أعلن المتحدّث باسم قوات صنعاء، العميد يحيى سريع، مساء أول من أمس، تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت مخازن الأسلحة وغرف القيادة والسيطرة التي تدير العدوان على اليمن في القاعدة العسكرية في منطقة شرورة، وذلك بعد قيام طيران العدوان السعودي بشنّ 129 غارة على محافظات تعز، ومأرب، والحديدة، والجوف، وصعدة، وعمران، وحجة. وبحسب مراقبين، فإن هذه العملية تُعدّ الأكبر والأشدّ، نظراً إلى حجم الصواريخ الباليستية والمجنّحة التي استُخدمت في تنفيذها ودقّتها، وتسبّبها في انفجارات كبيرة في عدد من مخازن الأسلحة التي أعدّتها السعودية للعدوان على اليمن.

ويضاف إلى ذلك، بحسب مصادر في صنعاء، أن القاعدة المستهدَفة استقبلت، قبل أيام، عدداً من ضباط الاستخبارات الأمريكيين الذين وصلوا إلى الرياض من واشنطن، وهم يتبعون «القيادة المركزية الأمريكية». وتؤكد المصادر أن العملية جرت بناءً على رصد استخباراتي دقيق، أظهر أن القاعدة تُستخدم لإدارة العمليات العسكرية الجوية والبرية والبحرية ضدّ اليمن، إلى جانب كونها مركزاً للتخطيط وتحديد الأهداف ومتابعة العمليات، واستهداف غرف التنسيق والإمداد.

وعقب استهداف قاعدة شرورة، شنّ الطيران السعودي، أمس، غارات جديدة واسعة على عدد من المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء. وامتدّت الغارات إلى مناطق التماس في محافظات البيضاء، والضالع، وتعز، وأبين، ومأرب، والجوف. كما شنّ عدواناً على جزيرة حنيش الواقعة في البحر الأحمر وعدد من الجزر التي سقطت تحت سيطرة صنعاء، بالتزامن مع غارات على مديرية الوازعية غربي تعز، طاولت مباني حكومية. ووفق مصدر محلّي في محافظة تعز، فإن الطيران السعودي استهدف عدداً من المناطق التي استعادتها «أنصار الله» خلال الأيام القليلة الماضية. واعتبرت المصادر تلك الغارات الهستيرية بمثابة إقرار سعودي بمرارة الهزيمة التي تكبدّتها الرياض في جبهة الساحل الغربي.

وفي حين برّرت الرياض عدوانها الأخير بتعرّض مدنيين للخطر من جرّاء هجمات صنعاء، التي قالت إنها استهدفت «أعياناً مدنية» جنوبي المملكة، نفت «أنصار الله» صحّة المزاعم التي روّجت لها وسائل إعلام سعودية بشأن تعرّض أحد المساجد لاستهداف بصواريخ يمنية في منطقة الطوال في جيزان. وأشار مصدر عسكري في صنعاء، في تصريح نشره موقع «سبتمبر نت» التابع لوزارة الدفاع، إلى أن «القدرة التدميرية للصواريخ اليمنية ونطاق تأثيرها الدقيق معروفان للجميع»، مشيراً إلى أن «الأضرار التي لحقت بالمسجد ناتجة بشكل مباشر من تساقط الصواريخ الاعتراضية التابعة لمنظومات الدفاع الجوي السعودية، بعد فشلها الذريع في التصدّي للضربات».

وفي الداخل اليمني، عزّزت قوات صنعاء انتشارها في محيط مدينة مأرب وفي صحاري محافظة الجوف، إلى جانب مواجهتها محاولات الاختراق التي تنفّذها فصائل سلفية تابعة للرياض في جبهات البيضاء. ورغم عدم وجود أيّ مواجهات بين قوات من «أنصار الله» متمركزة في منطقة ذوباب شرقي مدينة المخا المستعادة مؤخراً، وبين الفصائل السلفية الموجودة في منطقة المضاربة ورأس العارة المحاذية لذوباب، التي تخضع لسيطرة صنعاء منذ الخميس الفائت وتمثّل مركز باب المندب الاستراتيجي؛ إلا أن الإعلام السعودي يروج منذ أيام لحصول قتال هناك، في محاولة للتقليل من شأن سيطرة «أنصار الله» على المضيق.



* المادة نقلت من الاخبار اللبنانية بتصرف