لا مخرج للسعودية من حربها إلا بالجلوس في صنعاء
السياسية || علي مجمل حمزة*
حتى يفهم البسطاء من العامة حقيقة السياسة؛ فإنها تُدار بلا مبادئ، وتجعل الخصوم يلتفون حول طاولة واحدة ليضع كل طرف مصلحته الخاصة، محاولاً الخروج كأكبر رابح دون أدنى مراعاة لأي قيم أو شعارات براقة.
في هذا السياق، يطرح الشارع الكثير من التساؤلات حول ما يفعله الوفد السعودي ومن معه في إيران؛ فالرياض التي شنت حربها على اليمن تحت ذريعة "مواجهة المد الصفوي"، تذهب اليوم إلى طهران لبحث حلول ومخارج للردع الذي تفرضه حكومة صنعاء رداً على الحصار. تأتي هذه التحركات ظناً منها بأن لإيران سلطة على القرار اليمني، رغم أن الدبلوماسية الإيرانية أكدت مراراً عدم تدخلها، وأن القرار يُتخذ سيادياً في صنعاء دون أي إملاءات خارجية.
وربما تكون هذه الزيارة ذات طابع مزدوج؛ لتشكل وساطة خفية من الجانب الأمريكي تهدف إلى تخفيف التصعيد الإيراني وحماية مصالحهما المشتركة من حدة الرد، إلى جانب محاولة استجداء التدخل لوضع حلول مع صنعاء وتصعيدها المستمر ضد المملكة.
لكن، وكما هو واضح، فإن المكابرة والعنجهية تمنعان النظام السعودي من الإقرار بالواقع والتجاوب مع مطالب صنعاء وشروطها المعلنة والثابتة. وبدلاً من استجداء وساطات دولية للتدخل في النزاع، كان الأحرى بالرياض التعامل بعقلانية والدخول في مفاوضات حاسمة لتنفيذ شروط الصلح؛ وهي شروط بسيطة مقارنة بما تكبدته الرياض من خسائر فادحة جراء فشل تمويلها لتحشيداتها من المرتزقة، وتدهور منشآتها النفطية تحت ضربات الردع، وعجزها عن حماية مرافئها ومطاراتها.
هذه التداعيات الكارثية لم توقف نزيف الاقتصاد السعودي فحسب، بل أثرت بشكل مباشر على المشاريع التنموية الكبرى ضمن خطط "رؤية 2030"، وضاعفت الأعباء المعيشية على المواطن السعودي الذي يعاني من صعوبة تلبية احتياجاته وتصاعد معدلات البطالة؛ فكان الأولى بالنظام السعودي مراعاة مصالح شعبه وتنمية وطنه بدلاً من التورط في العدوان على شعوب المنطقة.
إن الأحرى بأي دولة هو حماية أراضيها ومصالحها، غير أن خبايا السياسة تكشف أن القرار السعودي يظل مرهوناً للتوجيهات الأمريكية والإسرائيلية، والتي تدفع باتجاه استمرار المواجهة ضد كل من يشكل تهديداً لمصالحهما في الشرق الأوسط، ولاسيما في مضيقي هرمز وباب المندب، حمايةً للكيان الإسرائيلي وتأميناً لخطوط الملاحة البحرية.
إن شروط حكومة صنعاء ليست تعجيزية بأي حال؛ فالتحالف هو من شن عدواناً معلناً بذريعة إعادة الشرعية المزعومة مسبباً مجازر يومية بحق المدنيين، ودماراً واسعاً في البنية التحتية والسكنية، فضلاً عن الآثار الكارثية للحصار الجوي والبري والبحري الذي أدى إلى وفاة الكثير من المرضى والجرحى جراء منعهم من السفر للعلاج.
واليوم، تريد الرياض إيقاف حق اليمن المشروع في الدفاع عن نفسه، وفرض حلول ترقيعية عبر تقديم التعويضات وكأنها "مكرمة" منها، مع محاولة إعادة "حكومة الفنادق" إلى المشهد! أليس هذا هذياناً لا يقبله أي عاقل؟
لقد فقدت هذه الأساليب كل وزنها أمام قناعة الشعب اليمني الذي التف حول قيادته، مصمماً على أخذ حقوقه واستعادة سيادته بذات القوة التي فرضت بها الحرب عليه، مدركاً لتبعات هذا القرار وما تشكله هذه المواجهة من ضغوط معيشية، لكنه يراها أدنى بكثير من الإذلال الذي كان سيعيشه لو خضع لهكذا عدوان.
وكما تعلم السعودية، فإن العامل الزمني ليس في صالحها باستمرار هذه الحرب؛ فالمنطقة تنجرف نحو سيناريوهات قد تصل إلى مواجهة شاملة أو ضربات يستهدف بها التحالف الأمريكي الإسرائيلي إيران، مما يشكل خطراً مضاعفاً على استقرار المنطقة.
وتدرك قوى النظام الدولي أن صنعاء وطهران وحلفاؤهما في محور المقاومة يملكون من أوراق الضغط والتأثير ما يعيق مخططاته ويقلب الوقع المفروض. وفي النهاية، تثبت المعطيات الميدانية والسياسية أن كل المحاولات للالتفاف على سير الأحداث أو البحث عن ممر جانبي لن تجدي نفعاً؛ فلا مخرج للسعودية من حربها إلا بالجلوس المباشر في صنعاء وتلبية شروط الصلح العادلة، بعيداً عن المراهنات الخارجية التي أثبتت فشلها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

