قرار العدو الاسرائيلي بمنع المنظمات الإنسانية.. بين السيطرة الأمنية وخنق الشعب الفلسطيني
السياسية - تقـــــرير :
لم تكتف سلطات العدو الاسرائيلي بالجرائم التي ارتكبتها ولازالت بحق الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من عامين من جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وما رافقها من اعتداءات ممنهجة في الضفة الغربية دمّرت معظم جوانب حياة الفلسطينيين.
ولكنها وإمعانا في خنق الشعب الفلسطيني، واستكمالا لمخطط تجويعه وتعذيبه في سياق حرب إبادة مستمرة، اتخذت قرارا بمنع المنظمات غير الحكومية الدولية من العمل في الأراضي الفلسطينية تحت ذرائع متعددة، وبالتالي منع الفلسطينيين من كثير من الخدمات والمساعدات الصحية والتموينية والإيوائية التي تقدمها هذه المنظمات.
إن العمل الإنساني للمنظمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة في قطاع غزة، أصبح ضرورة ملحة في ظل التدهور الخطير في الحالة الاقتصادية والزراعية والصحية بسبب جريمة الإبادة التي أدت إلى فقدان معظم فلسطينيي القطاع، إن لم يكن جميعهم، لمصادر الدخل.
ولكن سلطات العدو الاسرائيلي، فرضت ما وصفتها بـ"قواعد تسجيل جديدة" تستهدف عمل عشرات المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية العاملة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتهدد بموجبها بمنع 37 منظمة إنسانية من دخول غزة.
واعتبرت مصادر فلسطينية أن الكيان الاسرائيلي يسعى إلى "تسييس العمل الإغاثي، وتحويله إلى أداة ابتزاز للفلسطينيين"، مطالبة المجتمع الدولي "بالتحرك العاجل والفاعل لإدانة هذا السلوك الإجرامي".
ومن بين منظمات الإغاثة الدولية التي ستعلق تراخيصها؛ منظمة (آكشن إيد)، ولجنة الإنقاذ الدولية، وأطباء بلا حدود، والمجلس النرويجي للاجئين، اعتباراً من بداية 2026، على أن تتوقف عملياتها في غضون 60 يوماً.
وتزعم سلطات العدو الإسرائيلي أن هذه المنظمات لم تُقدّم "البيانات الشخصية الكاملة لموظفيها"، في حين تقول المنظمات غير الحكومية الدولية إن ذلك قد يُعرّضها للخطر.
كما زعمت وزارة شؤون الشتات في حكومة العدو الإسرائيلي، التي تشرف على طلبات التسجيل، أن "الإجراءات الجديدة لن تؤثر في تدفّق المساعدات الإنسانية إلى غزة"، بينما على العكس تؤكد جميع المنظمات أنها ستؤدي إلى تقويض العمل الإنساني.
تحويل العمل الإنساني إلى أداة أمنية
وأدانت الفصائل الفلسطينية، قرار سلطات العدو الإسرائيلي، واعتبرته تصعيداً خطيراً يندرج ضمن حرب الإبادة وسياسات التجويع والاستنزاف بحق الشعب الفلسطيني.
حيث قالت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إن إخطار العدو أكثر من عشر منظمات إنسانية دولية بسحب تصاريح عملها يمثل جريمة حرب وفصلاً جديداً من فصول الإبادة الجماعية، ويهدف إلى تشديد الحصار ومنع وصول الحد الأدنى من المساعدات الطبية والإغاثية.
وأوضحت الجبهة أن القرار سياسي بامتياز، يرمي إلى تحويل قطاع غزة والضفة إلى مناطق غير قابلة للحياة عبر طرد الشهود الدوليين على جرائم العدو، في ظل غياب المحاسبة الدولية والشراكة الأمريكية المباشرة.
وشددت على أن اشتراط ما يسمى بـ"الفحص الأمني" لقوائم الموظفين هو ابتزاز مكشوف يهدف إلى تحويل العمل الإنساني إلى أداة أمنية وفصل مئات العاملين الفلسطينيين.
من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن ما أوردته وسائل إعلام عبرية بشأن توجه حكومة العدو لإلغاء تراخيص عمل عشرات المؤسسات الإغاثية يشكل تصعيداً خطيراً واستخفافاً فاضحاً بمنظومة العمل الإنساني الدولية.
وأكدت الحركة أن العدو يسعى إلى تسييس العمل الإغاثي وتحويله إلى أداة ابتزاز، مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية بالتحرك العاجل لإدانة القرار والضغط على حكومة العدو للتراجع عنه.
بدورها، أدانت حركة المجاهدين الفلسطينية بشدة قرار منع عدد واسع من المنظمات الإنسانية من مواصلة عملها، واعتبرته إمعاناً في الحصار وحرب الإبادة.
وأكدت الحركة أن القرار يستهدف شرايين الحياة للمدنيين، خاصة الأطفال والمرضى والجرحى والنازحين وذوي الإعاقة، محذرة من أن اشتراط "الفحص الأمني" للموظفين يفاقم الكارثة الإنسانية ويحوّل العمل الإنساني إلى أداة بيد العدو الاسرائيلي.
إدانة دولية وأممية
وفي هذا السياق، أدانت عشر دول الخطوة، مؤكدةً أن هذه القواعد ستؤثر بشدة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي بيان مشترك، قال وزراء خارجية المملكة المتحدة وفرنسا وكندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا واليابان والنرويج والسويد وسويسرا، إن المنظمات غير الحكومية الدولية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الاستجابة الإنسانية في غزة، وإن أي محاولة لعرقلة عملها "غير مقبولة".
وأضاف البيان: "بدونها، سيكون من المستحيل تلبية جميع الاحتياجات العاجلة بالحجم المطلوب".
وقالت منسقة الشؤون الإنسانية في الاتحاد الأوروبي حاجة لحبيب، إن "خطط إسرائيل لمنع المنظمات غير الحكومية الدولية في غزة تعني منع وصول المساعدات المنقذة للحياة".
وأضافت أن القانون الدولي الإنساني "لا يترك مجالاً للشك، يجب أن تصل المساعدات إلى المحتاجين".
من ناحيتها، أكدت منظمة أطباء بلا حدود أن تهديد العدو الإسرائيلي بسحب تسجيلها وغيرها من المنظمات الدولية غير الحكومية، محاولةً مغرِضة ومحسوبة لمنع هذه المنظمات من تقديم خدماتها في غزة والضفة الغربية.
واعتبرت في سلسلة تدوينات على منصة "اكس"، أن ذلك "انتهاك لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني".
وأضافت أنه ورغم أشهر من التواصل، لم تُقدَّم أي معايير واضحة أو ضمانات في هذا السياق.
وقالت المنظمة إن سلطات الكيان الإسرائيلي وجّهت لها "اتهامات علنية تزعم وجود صلات بين موظفي أطباء بلا حدود وجماعات مسلّحة".
وتابعت "تتعامل أطباء بلا حدود مع مثل هذه الاتهامات بجدّية بالغة، ولن تقوم أبدًا، عن علم، بتوظيف أي شخص منخرط في أنشطة عسكرية"، مشددة على أن " إطلاق ادعاءات علنية من دون أدلّة مثبتة يعرّض العاملين في المجال الإنساني للخطر ويقوّض العمل الطبي المنقذ للحياة".
وأكدت أن "التقارير التي تزعم أنّ منظمة أطباء بلا حدود لم تمتثل لقواعد التسجيل غير دقيقة، فمنذ يوليو 2025، انخرطت المنظمة بشكل كامل وقدّمت معظم المعلومات المطلوبة، وتواصل أطباء بلا حدود السعي إلى الحوار مع السلطات الإسرائيلية، بما يتيح لنا تقديم الخدمات الحيوية ودعم النظام الصحي المدمَّر في غزة".
وأكدت منظمة "أوكسفام" أن إجراءات التسجيل الجديدة التي فرضها الكيان الاسرائيلي على المنظمات الدولية، تهدد بوقف العمليات في وقت يواجه فيه المدنيون الفلسطينيون حاجة إنسانية ملحة وواسعة النطاق.
ودعت المنظمة في تدوينة على منصة "اكس"، المملكة المتحدة إلى "العمل على معارضة هذه الإجراءات الجديدة وضمان رفع جميع القيود المفروضة على المساعدات في غزة بشكل دائم".
وبدورها، صرحت المتحدثة باسم المجلس النرويجي، للاجئين شاينا لو ، لإذاعة "NPR" الأمريكية بأن المجلس لن يتمكن من إدخال عمال إغاثة أجانب إلى غزة في حال إلغاء تسجيله، لكن موظفيه المحليين البالغ عددهم 200 سيواصلون دعم المجتمعات المحلية قدر استطاعتهم.
وأوضحت أن المجلس حاول شرح أسباب عدم قدرته على تزويد سلطات الكيان الإسرائيلي بقوائم بأسماء موظفيه الفلسطينيين.
تقويض العمل الإنساني في غزة
وفي ذات الاتجاه، قالت اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات "IASC" ، إن قادة العمل الإنساني يحثون سلطات الكيان الإسرائيلي على إعادة النظر في خطة حظر المنظمات غير الحكومية الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضافت اللجنة في تدوينة على منصة " اكس"، أن "هذه المنظمات تقدم مساعدات بقيمة تقارب مليار دولار أمريكي سنوياً".
وتابعت "ومع تفاقم المعاناة خلال فصل الشتاء، يُهدد تقييد عمل المنظمات غير الحكومية التقدم المحرز في وقف إطلاق النار".
وأكدت أن "وصول المساعدات الإنسانية يُعدّ التزاماً قانونياً".
واللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات "IASC" ، هي منتدى مشترك بين الوكالات من شركاء الأمم المتحدة والشركاء في المجال الإنساني من غير الأمم المتحدة ، تأسس عام 1991 ، وهدفه تحسين إيصال المساعدات الإنسانية للسكان المتضررين.
وأعرب المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني، عن تأييده للبيان المبدئي الصادر عن اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات.
وقال لازاريني في تدوينة على منصة "اكس"، "أُجدِّد تأييدي للبيان المبدئي الصادر عن اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات"IASC" ".
وأضاف أن "القيود الإسرائيلية الجديدة المفروضة على المنظمات غير الحكومية الدولية، تؤدي إلى مزيد من تقويض العمل الإنساني في قطاع غزة".
واعتبر أن "هذه القيود تأتي في أعقاب تشريعات مناهضة للأونروا، وتشكل جزءًا من نمط مقلق من تجاهل القانون الدولي الإنساني وفرض عوائق متزايدة أمام عمليات الإغاثة"، مشددًا على أنها تمثل "سابقة خطيرة".
وأكدّ لازاريني على "أن عدم التصدّي لمحاولات التحكّم في عمل المنظمات الإنسانية سيقوّض أكثر المبادئ الإنسانية الأساسية المتمثلة في الحيادية والاستقلال وعدم التحيّز والإنسانية، والتي يقوم عليها العمل الإنساني في جميع أنحاء العالم".
مخالفة المعايير الدولية
وأكدّ الخبير السياسي الفلسطيني، الدكتور مصطفى ابراهيم، أن قرار سلطات العدو الإسرائيلي، سيتسبب في إيقاف عمل عشرات المنظمات الإغاثية في قطاع غزة.
وقال الدكتور مصطفى، في حديث لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، إن هذا القرار يأتي في إطار مساعي العدو الإسرائيلي للسيطرة الأمنية على المساعدات والبدء من جديد في مخالفة المعايير الدولية المتعلقة بإدخال وتوزيع المساعدات الإنسانية.
وأضاف أن هذا القرار "الإسرائيلي" هو "قرار سياسي أمني بامتياز لأن هذه المنظمات لا يقتصر عملها فقط على إدخال المساعدات، بل هي أيضا شاهد على كل الانتهاكات التي تمارسها سلطات الكيان الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني".
وتابع: "إذا ما توقفت هذه المنظمات عن العمل في قطاع غزة، فإن العدو الإسرائيلي سيسيطر على إدخال المساعدات بالطريقة التي رآها العالم في ما يسمى "مؤسسة غزة الإنسانية"، التي فشلت واستشهد على أبوابها أكثر من ألف فلسطيني رغم أنها لم تعمل سوى ثلاثة شهور".
وأوضح مصطفى أن القرار "الإسرائيلي" تم اتخاذه أساساً قبل اتفاق وقف إطلاق النار، ويأتي في سياق معايير العدو الإسرائيلي الجديدة التي وضعها ضد المنظمات، مشيراً إلى أنها منظمات ومؤسسات عريقة سواء في مجال إدخال المساعدات الإغاثية أو تلك المتخصصة في العمل بالقطاع الصحي.
وذكر أن العدو الإسرائيلي منح هذه المنظمات والمؤسسات مهلة حتى الأول من مارس القادم لتوفيق أوضاعها وفق الاشتراطات التي وضعها، ومن ضمنها عمل الفحص الأمني للموظفين الفلسطينيين العاملين فيها.
وأشار الخبير السياسي، إلى أن العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية تريدان السيطرة على هذه المنظمات، وأن تكون مطيعة وفق الشروط والسياسات "الإسرائيلية"، مبيناً أن العدو بعد اتفاق وفق إطلاق النار اتخذ جملة من القرارات كما حدث مع وكالة (الأونروا).
استكمال مسلسل الإبادة الجماعية
من جانبه، يقول عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محسن أبو رمضان، إن قرار سلطات العدو حظر وتقييد عمل 37 منظمة دولية يندرج في إطار حرب الإبادة الجماعية التي يمارسها جيش العدو وحكومته بحق الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة.
وأوضح أبو رمضان في حديثه لصحيفة "فلسطين أونلاين"، أن هذه المنظمات تمتلك تاريخًا طويلًا في تقديم الخدمات الإنسانية، خاصة في المجالات الصحية والإغاثية والاجتماعية، إلى جانب قطاعات إنسانية متعددة، مشيرًا إلى أن استهدافها يشكل استمرارًا للعدوان على الشعب الفلسطيني وحقوقه الأساسية.
وأكد أن هذا القرار يأتي في وقتٍ بالغ الحساسية، حيث إن الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، بأمسّ الحاجة إلى استمرار عمل المنظمات الدولية، خصوصًا في مرحلة ما بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن القرار يأتي بالتزامن مع حظر عمل (الأونروا)، ومصادرة ممتلكاتها وأصولها، وقطع المياه والكهرباء عن مقراتها في القدس والضفة الغربية.
أما رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، صلاح عبد العاطي، فيعتبر إلغاء تراخيص عمل المنظمات الدولية "انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وجريمة دولية مكتملة الأركان".
ويؤكد عبد العاطي، أن هذه الإجراءات التعسفية تستهدف شلّ العمل الإنساني وتقويض دور منظمات المجتمع المدني، وحرمان المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، من حقهم في الحصول على المساعدات الإنسانية الأساسية، في سياق سياسة ممنهجة تقوم على التجويع والعقاب الجماعي وتضييق الحيّز المدني.
ويشدد على أن تعطيل عمل المنظمات الإنسانية، وفرض شروط سياسية وأمنية على تسجيلها ونشاطها، يُشكّل خرقًا واضحًا لالتزامات العدو الإسرائيلي بصفته قوة احتلال بموجب اتفاقيات جنيف، كما يقوّض مبادئ الحياد والاستقلال وعدم التسييس التي يقوم عليها العمل الإنساني الدولي.
كما يؤكد عبدالعاطي أن استهداف العمل الإنساني لا يُعد إجراءً إداريًا، بل يمثل سلاحًا إضافيًا في حرب الإبادة والتجويع، ومحاولة لتحويل قطاع غزة إلى منطقة منكوبة غير صالحة للحياة، بهدف دفع السكان إلى الهجرة القسرية.
سبأ

