السياسية || محمد محسن الجوهري*

مرَّ الوطن العربي بأكثر من موجة ثورية نجحت في الإطاحة بملوك وزعماء ولكنها أبقت على آخرين، وهو تباينٌ أفرز جدلاً واسعاً حول "هوية المحرك" لهذه الأحداث. فهل كانت هذه الثورات نتاج إرادة شعبية خالصة، أم أن هناك قوى دولية، وفي مقدمتها الصهيونية العالمية، هي من تدير دفة التغيير، وتحدد من يسقط ومن يبقى وفقاً لمصالحها الاستراتيجية؟

بدأت شرارة الثورات العربية من مصر سنة 1952 بقيادة "الضباط الأحرار"، وتبنى الحكام الجدد النهج الاشتراكي الذي يفضل الشكل الجمهوري للحكم ويقصي الملكيات، وسرعان ما تحولت الثورة المصرية إلى صرعة سياسية وعسكرية عمت الكثير من البلاد العربية؛ كالعراق سنة 1958، واليمن 1962، وليبيا 1969، ولكنها توقفت عند حدود معينة وبقيت محرمة على عروش أخرى كانت أولى بالثورة مثل الأردن ودول الخليج، التي كانت تُعرف حينها بـ "ممالك الرجعية العربية".

وفي الموجة الأخرى من الثورات العربية التي انطلقت شرارتها من تونس أواخر عام 2010، وامتدت لتشمل عدداً من الدول العربية بدايةً من مصر، وعندما اقتربت من ممالك الخليج قوبلت بقمعٍ دولي بلغ حد الإبادة الجماعية للثوار وسط صمتٍ دولي مطبق. وقد بدا حينها أن الغرب بقيادة واشنطن مارس سياسة الكيل بمكيالين، واستغل الموجة للخلاص من الأنظمة غير المطبّعة كالنظامين السوري والليبي، فيما أبقى على العروش الموالية له شريطة أن تدعم الفوضى وتمولها بالمال والسلاح والمقاتلين تحت ذريعة تحرير الشعوب من الأنظمة القمعية.

وهذا لا يعني أن دول الخليج والأردن بقيت خارج المسار التحرري؛ فقد شهدت مدنها حراكات جماهيرية حاشدة طالبت بالتغيير وإسقاط الأنظمة، إلا أن الرسالة كانت واضحة: "لا حق للشعوب أن تتحرر من عملاء الصهيونية"، وهي الرسالة التي أدركها الإعلام العربي، وبالأخص قناة الجزيرة؛ فلم يجرؤ أحد من دعاة الحرية في سوريا بأن ينبس ببنت شفة لصالح الثوار في البحرين أو السعودية، وعوضاً عن ذلك تدفقت الجيوش لقمع الاحتجاجات السلمية بتواطؤ غربيٍ واضح، ولا يزال القمع على حاله حتى اليوم.

والوضع في دول الخليج يعنينا جميعاً لأن تلك الأنظمة تمول الفوضى في أوطاننا لأسباب كثيرة: منها ما كان بدوافع طائفية مقيتة كالعراق، أو لإسقاط نظام معادٍ للصهيونية كما في سورية، أو خوفاً من تقديم ثورية ناجحة للشعوب يمتد أثرها إلى الشعوب الخليجية التي تعاني أسوأ أشكال القمع السياسي والطائفي وحتى المناطقي، وبالتالي فإننا معنيون بدعم الحراكات الشعبية في الخليج لأن حكم الشعوب لن يكون مؤدلجاً كما هو حال الأنظمة المفروضة عليها، ولذلك يخشى الغرب من الديمقراطية الحقيقية في الخليج لأنها قد تجلب حكومات معادية للصهيونية، وعندما يتعلق الأمر بالصهيونية فالشعوب الحرة ملزمة بدعم التحرر الشعبي في الخليج.

ولعل أكبر حركة شعبية في العالم العربي هي جماعة الإخوان والتي تواجه حظراً في الكثير من البلدان منها مصر التي هي الموطن الأم للجماعة، وكذلك السعودية حيث الشعبية الأكبر للإخوان، ولكن هذه الحركة وقعت في الفخ الخليجي من بوابة أخرى هي بوابة قطر والتي تمارس الوصاية على القرار الإخواني منذ العام 2011 على الأقل، ومن البديهي أن تدعم قطر إخوان سوريا بالمال والسلاح وأن تتجاهلهم في دول الخليج حتى لا يرتد الأمر إليها فهي الأخرى لا تقل قمعاً لمواطنيها من الرياض والمنامة.

والمصيبةُ أنَّ نشطاء الجماعة مقتنعون اليوم بأنَّ المال القطري المشروط هو الوسيلة الأهم للتحرر، وبناءً عليه كيَّفوا حتى أيديولوجيتهم وخطابهم الإعلامي؛ فهم أشداء على البعض، وأذلاء على البعض المتصهين. ولهذا، رأينا مخالبهم تفتك بالجيش السوري على مدى عقد ونصف، فيما تراجعت كل أنشطتهم المسلحة في مصر لأنَّ نظامها القمعي حليف للصهيونية فاكتفوا ضده بالحروب الناعمة. وكذلك الحال في غزة؛ فلو أراد التحالف "القطري-الإخواني" أن يقلب الطاولة على الصهاينة هناك لفعل، ولرأينا السلاح والمال والمقاتلين يتدفقون إلى القطاع كما فعلوا ضد نظام الأسد.

وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل تمثل الجماعة إرادة شعبية حقيقية، أم أنها مجرد فيالق وظيفية يتم توجيه زخمها لتدمير الدول العصية على التطبيع، وتبريد الجبهات أمام الأنظمة الحليفة، ليبقى المال المشروط هو "الإله" الذي تُنحر تحت قدميه تطلعات الشعوب؟

وهذا التساؤل أجاب عليه الشهيد سمير الكحلوت -أبو عبيدة- في خطابه الشهير في يوليو 2025، الذي وصفها نصاً بـــ"أنها واجهات للظلم ومسكنات للشعوب وشبابها الحر، وبدت مصداقيتها وشعاراتها الكبيرة على المحك أمام خذلانها وعجزها في نصرة أطهر وأقدس قضية للعرب والمسلمين".


* المقال يعبر عن رأي الكاتب