السياسية || محمد محسن الجوهري*

قبل عام 1996، كان الإعلام العربي في معظمه إعلاما رسميا يتحدث بلسان الحكومات والأنظمة التي يمثلها، محصوراً في إطار البروتوكول السلطوي والأسلوب الرتيب الذي لا يزال مهيمناً على أدائه حتى يومنا هذا. لم يكن الإعلام في تلك الحقبة وسيلة لنقل الخبر أو تحليل الواقع بقدر ما كان "أداة تعبئة" تقتصر مهمتها على تلميع صورة الحاكم، وترديد شعارات الدولة، وتعبئة الجمهور ضمن قوالب جاهزة من الولاء المطلق.

وكعادته، فإن هذا الخطاب الرسمي -في جوهره- إما مملٌ يفتقر إلى الحيوية ومبتعدٌ عن هموم المواطن اليومية، أو عدائيٌّ هجومي يغذي لغة التخوين والتحريض، وذلك كله رهنٌ بطبيعة الوضع السياسي للنظام أو الدولة التي تموله
إلا أن ظهور "الجزيرة" القوي والمفاجئ أحدث ثورة إعلامية نجحت في خلط الأوراق، وأقنعت حكومات عربية أخرى بأن تحذو حذو قطر، وأن تستثمر في الإعلام الموازي الذي يتبنى الحياد في الظاهر، ويقدم الأخبار والتحليل السياسي بلغة مثيرة تعتمد استراتيجية "دس السم في العسل". وقد تضاعف هذا الاستثمار مع انتشار الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، وبات الجميع في دول الخليج يتنافسون على عقل المشاهد العربي بالصورة المنمقة والكلام القشيب.

في المقابل، بقيت الدول غير النفطية خارج المنافسة لأسباب كثيرة ومقنعة، منها انعدام التمويل اللازم لمثل هذه المشاريع المكلفة، وغياب المشروع السياسي الموجه للعرب من غير مواطنيها. ولك أن تستعرض كل دولة خليجية على حدة، لترى أنها تمتلك شبكة واسعة من القنوات الإخبارية والمنصات الرقمية، ولكل وسيلة منها حسابات تمثلها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وجميعها تتنافس فيما بينها، لكنها في المجمل تنخرط في المشروع الغربي والترويج له بخطاب إعلامي شبه محايد، وبلغة تحمل مشاعر سلبية ومثبطة للأمة، وإن كانت بلسان مبين ومهذب.

فقطر، إلى جانب شبكة "الجزيرة" الضخمة، تمتلك شبكة "التلفزيون العربي"، وهي شبكة إعلامية ناطقة بالعربية تتبع مجموعة "فضاءات ميديا"، وهي مجموعة استثمارية تضم مشاريع عدة تهدف لخلق إعلام موازي في دول عربية أخرى. وقد نجحت إلى حد كبير في سورية، حيث أنشأت شبكة إعلامية واسعة فاقت منظومة الإعلام الرسمي هناك، وظهر تفوقها من خلال تحكمها في الرواية الإعلامية للأحداث الجارية في البلاد منذ عام 2011.

وللعلم، فإن وسائل إعلامية مثل: "تلفزيون سوريا"، "عرب 48"، "العربي الجديد"، "الترا صوت"، "يمن شباب"، "قناة بلقيس"، ومنصة "كبريت"، كلها مملوكة لقطر؛ وإن كانت في الظاهر تتكلم بأسماء شعوب عربية أخرى ويعمل فيها موظفون من تلك الشعوب.
ولا يقتصر هذا الدور على التمويل والملكية فحسب، بل يمتد ليشمل هندسة 'البروباغندا' الناعمة؛ حيث تعتمد هذه المنصات على استقطاب كفاءات إعلامية من دولٍ تعاني من أزمات اقتصادية أو سياسية، لتمنح خطابها صبغةً 'وطنية' محلية تزيد من مصداقيتها لدى الجمهور المستهدف. فمن خلال تبني قضايا مطلبية، أو التضامن مع عناوين براقة مثل التغيير والعدالة، تنجح هذه الوسائل في بناء قاعدة جماهيرية واسعة، مستغلةً حالة الفراغ الإعلامي المهني في تلك الدول، لتمرير الرسائل السياسية لجهة التمويل ضمن قالبٍ يبدو في ظاهره دفاعاً عن حقوق الإنسان أو نصرةً لقضايا الشعوب، بينما هو في حقيقته استثمارٌ طويل الأمد في تشكيل الوعي الجمعي العربي، وضمان اصطفافه ضمن المحاور الجيوسياسية التي ترسمها القوى الإقليمية النافذة.

في المقابل، اتبعت الإمارات استراتيجية إعلامية مغايرة في أدواتها، وإن تقاطعت مع غيرها في الهدف؛ حيث ركزت بشكل أساسي على الاستحواذ على مؤسسات إعلامية عريقة أو دعم منصات رقمية حديثة تتبنى خطاباً يروج لـ 'الاعتدال' ومحاربة 'التطرف' وفق منظورها الخاص، مع تغلغلٍ واضح في صناعة المحتوى الترفيهي والتحليلي الذي يمرر الرؤى السياسية للدولة عبر قوالب عصرية. وتعتمد المنظومة الإعلامية الإماراتية بشكل مكثف على 'جيوش إلكترونية' وشبكات من المؤثرين لفرض أجندة معينة على الرأي العام العربي، خاصة في ملفات الاستقرار السياسي ومناهضة التيارات الإسلامية.

ورغم التباين في الأسلوب بين الخطاب 'التحرري' الذي تتبناه أذرع قطر الإعلامية، والخطاب 'البراغماتي' الذي تنتهجه الأذرع الإماراتية، إلا أن النتيجة تظل واحدة: تحويل المشاهد العربي إلى متلقٍ لمشاريع سياسية خارجية وفقاً لمصالح القوى الغربية.

ومن خلال ذلك، يتضح أن الطفرة الإعلامية في دول الخليج هي أشبه بعملية 'تطويعٍ شامل' لعقول الشعوب العربية، لا سيما في الدول غير النفطية التي تحولت إلى جمهورٍ مستهدف ومستباح. وهذه الشبكات الإعلامية، بمختلف ألوانها، تتنافس لفرض رؤيةٍ جيوسياسية تقود المنطقة نحو مسارات 'التطبيع' و'التصهين'. وتمرير سردياتٍ تعيد صياغة العدو والصديق، وتجعل من التنازل عن الثوابت الوطنية والقومية خياراً 'عقلانياً' و'واقعياً'.

وهكذا، يظل 'حياد اللفظ' في هذه المنصات مجرد غطاءٍ براقٍ لمشروعٍ أوسع، يستهدف نزع الحصانة الفكرية عن الأمة، لضمان اصطفافها النهائي في مشروع التصهين الإقليمي، بعيداً عن تطلعات شعوبها التي لا تزال ترى في الحقوق التاريخية بوصلةً لا تقبل المساومة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب