من مطار صنعاء إلى مطار الرياض: زلزال الردع اليمني وسقوط معادلة الحصار الأحادي
عدنان عبدالله الجنيد *
لم يعد الصراع في المنطقة مجرد مواجهة عابرة أو ملفاً محدوداً بجغرافيا معينة، بل أصبح جزءاً من معركة كبرى حول السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي القادم، وحدود قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها. وفي قلب هذه التحولات برز اليمن كعامل مؤثر في معادلات المنطقة، بعدما أنتجت سنوات الحرب والحصار والصمود واقعاً جديداً نقل صنعاء من موقع الاستهداف إلى موقع التأثير.
أولاً: خطاب المرحلة الجديدة... من الصبر الاستراتيجي إلى معادلة الردع
جاء خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- ليعبّر عن انتقال الصراع من مرحلة تحمّل الضغوط إلى مرحلة بناء معادلات ردع مقابلة. فالمسألة لم تعد، وفق هذا الطرح، مجرد رد فعل على أحداث ميدانية، بل رؤية استراتيجية تؤكد أن استمرار سياسة الحصار والضغط لن يؤدي إلى إخضاع اليمن، وإنما قد ينتج معادلة جديدة تجعل كلفة الصراع متبادلة.
لقد أظهرت سنوات المواجهة قدرة اليمن على تحويل التحديات إلى خبرات، والضغوط إلى أدوات تأثير، بحيث لم تعد المعادلة قائمة على طرف يفرض وطرف يتحمل فقط، بل على حسابات جديدة تتعلق بتوازن المصالح والنتائج.
ثانياً: فلسفة الردع... الحصار بالحصار
تمثل معادلة المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار عنواناً مركزياً في فهم التحول الجديد؛ فهي لا تعبّر فقط عن موقف سياسي، بل عن منطق ردع يقوم على أن استخدام أدوات الضغط سيقابله تغيير في طبيعة الحسابات.
فالردع في العلاقات الدولية لا يرتبط بالقوة وحدها، بل بقدرة الطرف على إقناع خصمه بأن خياراته ستنتج أثماناً مرتفعة. ومن هنا تأتي الرسالة بأن استهداف المنشآت الحيوية اليمنية أو استمرار القيود المفروضة عليها لن يبقى بلا تداعيات سياسية وأمنية.
ثالثاً: من مطار صنعاء... رسالة تتجاوز الجغرافيا
يمثل مطار صنعاء أكثر من منشأة مدنية؛ فهو رمز للسيادة ونافذة على العالم وشريان للحركة الإنسانية. ولذلك فإن قضية المطار أصبحت جزءاً من معركة أوسع حول حق اليمن في إدارة شؤونه وامتلاك قراره.
لكن التحول الأبرز أن الصراع لم يعد مرتبطاً بمنشأة واحدة، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكبر: هل يمكن استمرار معادلة يكون فيها طرف قادراً على فرض القيود بينما يبقى بعيداً عن نتائجها؟
وهنا تظهر رسالة اليمن بأن الجغرافيا لم تعد مجرد حدود، بل أصبحت عنصراً من عناصر النفوذ والتأثير.
رابعاً: اليمن الجديد... من ساحة الاستهداف إلى مركز التأثير
أكبر خطأ في قراءة اليمن خلال السنوات الماضية كان التعامل معه كملف أمني محدود، بينما كشفت التطورات أن موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في الممرات الحيوية وتراكم خبراته جعلته جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي.
فاليمن الذي كان يُنظر إليه كساحة مواجهة أصبح طرفاً يسعى إلى التأثير في قواعد المواجهة نفسها، وتحديد مساراتها السياسية والاستراتيجية.
خامساً: الرياض أمام اختبار الحسابات الجديدة:
تحمل التطورات الأخيرة رسالة مفادها أن العودة إلى منطق الصراع السابق لن تنتج النتائج السابقة، فالمشهد الإقليمي تغير، وموازين القوة أصبحت أكثر تعقيداً.
وأمام الرياض معادلة سياسية واضحة: استمرار التوتر يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، بينما يبقى الحوار واحترام السيادة الطريق الأقل كلفة لتحقيق الأمن والاستقرار.
سادساً: البعد الإقليمي... اليمن في قلب التحولات الكبرى
لا يمكن فصل التطورات اليمنية عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، حيث تتغير موازين النفوذ وتبرز أدوار جديدة لقوى محلية أصبحت أكثر قدرة على التأثير.
لقد أثبتت التجارب أن الجغرافيا حين تقترن بالإرادة السياسية تتحول إلى مصدر قوة، وأن الدول لا تُقاس فقط بحجمها، بل بقدرتها على حماية مصالحها وصناعة حضورها.
الخاتمة: لحظة ولادة معادلة جديدة
إن معادلة من مطار صنعاء إلى مطار الرياض تختصر مرحلة تحول كاملة؛ من زمن كان يُعتقد فيه أن الحصار يمكن أن يكون أداة حسم، إلى مرحلة أصبحت فيها تداعيات الصراع أكثر تعقيداً وتبادلاً.
فالمستقبل لن تصنعه القوة وحدها، بل القدرة على تحويل التحديات إلى أوراق تأثير، والصمود إلى مشروع سياسي واستراتيجي يعيد رسم ملامح المنطقة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

