التنمية وهم الشعوب المتخلفة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
التنمية ليست شعاراً يُستورد، ولا مشروعاً يُشترى من الخارج، ولا قرضاً تُملى شروطه على طاولة البنك الدولي. إنها وهم كبير تروج له الشعوب المتخلفة التي علّقت مصيرها على عتبات الآخرين، وانتظرت الحل من مساعدات مشروطة ورؤى لا تمت لها بصلة. فعاشت تدور في حلقة مفرغة، تطلب ولا تعطى، وتتبع ولا تقود، وتستهلك ولا تنتج.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام حين ربط التغيير الحقيقي بالنفس الإنسانية أولاً: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. فالآية تقطع الطريق على كل من ينتظر التغيير من الخارج. لا استعمار ولا فقر ولا مؤامرات هي العائق الأول، وإنما ما في النفوس من عجز وتواكل وتبعية. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ، فزوال النعمة وتبدل الحال سببه تغير داخلي سبق التغيير الخارجي.
وأعظم تجسيد لهذا المعنى نجده في *النموذج النبوي: بناء الأمة من الداخل*. فالنبي ﷺ لم يبدأ مشروعه بطلب دعم من قريش أو فارس أو الروم، ولم يرسل وفوداً تستجدي الاعتراف أو المال. بدأ بما تملكه الأمة في يدها: الإنسان. فقضى ثلاثة عشر عاماً في مكة لا يملك دولة ولا جيشاً ولا اقتصاداً، ولكنه كان يبني عقيدة وأمة. كان يغرس في أصحابه معنى العزة والرسالة حتى صاروا يقولون: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. فالخيرية لم تُمنح مجاناً، بل ارتبطت بمهمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
ولما هاجر إلى المدينة لم يستدعِ مستشارين من الخارج ليكتبوا له دستوراً، ولم يفاوض القوى الكبرى على حماية. بدأ من الداخل. كان أول عملين له: بناء المسجد، لأنه أدرك أن أي نهضة لا تقوم إلا على مركز تربوي وفكري يصنع الإنسان قبل العمران. ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، فحول مجتمعاً ممزقاً إلى جسد واحد. لم يقل "تصدقوا على المهاجرين" بل قال: "تآخوا في الله" فصار المال والنفس والدار شيئاً واحداً. وهنا انتهت ثقافة التسول وبدأت ثقافة التكافل المنتج.
ثم وضع "صحيفة المدينة" وهي أول وثيقة سياسية في تاريخ الأمة. لم يستوردها من قوانين الروم ولا من أعراف الفرس، وإنما كتبها من واقع المدينة وبتوافق أهلها. فقدم للأمة مشروعاً سياسياً خاصاً بها، يعبر عنها ويقدمها للعالم ككيان له وزن وثقل، لا كتابع ينتظر الإملاءات.
وحتى في الشدة لم يكن النموذج النبوي نموذج اتكال. في غزوة الخندق لم ينتظر إمداداً عسكرياً، بل أخذ بالرأي وبالإمكانيات المتاحة وحفر الخندق بأيدي الصحابة. وفي الاقتصاد بنى سوقاً للمسلمين وقال: "هذا سوقكم لا يُضرب عليه خراج" حتى لا يبقى الاقتصاد رهينة لغيره. وكان يربي أصحابه على أن "اليد العليا خير من اليد السفلى" و "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس".
وكانت النتيجة أن تحولت في ثلاثة وعشرين عاماً فقط جماعة مستضعفة إلى دولة تقود العالم. لماذا؟ لأن المشروع كان داخلياً: عقيدة وأخوة وشورى وعمل ورؤية. ولهذا قال عمر بن الخطاب: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
الأمم التي تحترم ذاتها اليوم يجب أن تفهم هذا الدرس. اليابان بعد الحرب لم تنتظر معونات تبقيها تابعة، بل بنت مشروعها بروحها. وماليزيا رفض مهاتير محمد أن تكون "أمة متسولة" فصنع "رؤية 2020" من الداخل. أما الشعوب التي اعتادت الاستجداء الحضاري والسياسي والاقتصادي، فستبقى أسيرة للتقارير والقروض والشروط.
إن سرّ العظمة ليس في النفط ولا في القروض ولا في رضا القوى الكبرى. السر في امتلاك "مشروع ذاتي" ينبع من الهوية، وفي إرادة تقول: سنبني واقعنا بأيدينا. الأمة العظيمة لا تسأل: "ماذا سيقدمون لنا؟" بل تسأل: "ماذا سنصنع نحن؟" لا تنتظر الإنجاز على موائد الآخرين، بل تصنعه بعرقها وعلمها وإيمانها بقدراتها.
حينها فقط تتحول التنمية من وهم يتغنى به الضعفاء، إلى حقيقة يصنعها الأقوياء. وحينها فقط ننتقل من صف "الشعوب المتسولة" إلى صف "الأمم التي تصنع الإنجاز".
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

