بين صمت المنصب وصوت الكرامة.. ماذا قال الزيدي في لقاء ترامب؟
السياسية II رسول حسين ابو السبح *
ليست المشكلة في لقاءات رؤساء الحكومات مع زعماء العالم، فالدول تُدار بالحوار والمصالح والتفاهمات، وليست المشكلة أيضاً في الجلوس مع خصوم الأمس أو أصدقاء اليوم، لأن السياسة بطبيعتها مساحة معقدة تتقاطع فيها الحسابات والمواقف، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الصمت موقفاً، وعندما تتحول المجاملة السياسية إلى عبء أخلاقي ووطني لا يستطيع الشعب تجاهله.
في اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برزت لحظات تستحق التوقف عندها ملياً، فقد بدا أن رئيس الوزراء حاول في أكثر من مناسبة التملص من أسئلة أو مواقف محرجة، وهو أمر قد يراه البعض نوعاً من الحنكة السياسية، بينما قد يراه آخرون ضعفاً في التعبير عن الموقف الحقيقي، وبين هذا وذاك يبقى السؤال مطروحاً… هل كان ذلك دهاءً سياسياً أم هروباً من استحقاق الموقف؟
غير أن ما أثار الاستغراب أكثر من أي شيء آخر، هو التناقض الذي بدا واضحاً بين بعض المشاهد السياسية المتقاربة زمنياً، فمنذ أيام قليلة فقط، كان الزيدي حاضراً في مناسبة استقبال جثمان الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، وكانت لغة الجسد وتعابير الوجه توحي بالحزن والتقدير والاحترام، واليوم يجلس في لقاء يسمع فيه ترامب يتحدث مجدداً عن اغتيال الشهيد قاسم سليماني بوصفه إنجازاً سياسياً وعسكرياً.
هنا لا يتعلق الأمر بالنوايا الشخصية، فالنوايا علمها عند الله، وإنما يتعلق بالموقف السياسي والأخلاقي العلني، فالرجل الذي يمثل الدولة العراقية لم يكن يجلس هناك بصفته الفردية، بل بصفته ممثلاً لملايين العراقيين الذين لا تزال ذاكرة الحرب ضد الإرهاب حاضرة في وجدانهم، والذين ينظر قسم كبير منهم إلى الشهيدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس بوصفهما من الشخصيات التي ساهمت في لحظة مصيرية من تاريخ العراق الحديث.
وإذا كان الحديث عن القائد الشهيد سليماني يثير حساسية لدى شريحة من العراقيين، فإن الحديث عن الشهيد أبي مهدي المهندس يحمل بعداً آخر أكثر التصاقاً بالوجدان الوطني العراقي، فالمهندس لم يكن شخصية عابرة في المشهد العراقي، بل تحول عند كثيرين إلى رمز للتضحية والثبات والمواجهة في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد، ولذلك فإن أي حديث يمس تلك الرمزية لا يُنظر إليه باعتباره مجرد رأي سياسي، بل باعتباره مساساً بقيم وتضحيات يعتز بها أهل العراق.
ومن هنا كان المتوقع، على أقل تقدير، أن يظهر موقف يعكس احترام تلك المشاعر، أو أن تصدر إشارة سياسية واضحة تؤكد أن العراق يحترم شهداءه ورموزه مهما اختلفت الحسابات الدولية، فالصمت في بعض المواقف لا يُفسر على أنه حكمة، بل قد يُفهم على أنه تنازل أو تراجع أو قبول ضمني بما يُقال.
أقول للزيدي إن المنصب لا يمنح صاحبه الحق في أن ينسى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فكرسي رئاسة الوزراء ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة وطنية ثقيلة، وكلما ارتفع موقع المسؤول ارتفع معه حجم المحاسبة الشعبية والأخلاقية، لذلك فإن المسؤول الناجح ليس من يتقن الجلوس على الكرسي، بل من يستطيع أن يمنع الكرسي من أن يغير مواقفه أو يعيد تشكيل أولوياته.
وفي المقابل، فإن الحديث لا ينبغي أن يتوقف عند رئيس الوزراء وحده، فالقوى السياسية التي دعمته ووصل من خلالها إلى السلطة مطالبة هي الأخرى بتوضيح موقفها، فالإطار التنسيقي الذي يرفع شعارات الدفاع عن السيادة ودعم قوى المقاومة لا يمكنه أن يكتفي بدور المتفرج عندما تثار قضايا ترتبط بأكثر الملفات حساسية لدى جمهوره.
إن القاعدة الشعبية التي قدمت التضحيات لا تنتظر بيانات مطولة ولا خطابات إنشائية، لكنها تنتظر موقفاً واضحاً يمكن فهمه دون الحاجة إلى التأويل، هل ما جرى يمثل رؤية تلك القوى السياسية؟ وهل يتوافق مع الخطاب الذي تبنته طوال السنوات الماضية؟ أم أن لغة السلطة تختلف عن لغة المعارضة، وأن ما كان يقال خارج الحكم لم يعد صالحاً للتداول داخله؟
إن أكثر ما يثير القلق لدى الجمهور ليس الخطأ السياسي بحد ذاته، فالأخطاء واردة في كل تجربة حكم، وإنما غياب الجرأة على تفسير المواقف وتوضيحها، فالشعوب تستطيع أن تتفهم كثيراً من التعقيدات، لكنها لا تتسامح بسهولة مع الغموض عندما يتعلق الأمر بالثوابت التي تؤمن بها.
اليوم، لا يبحث أبناء المقاومة وأنصارها عن معارك إعلامية ولا عن سجالات عاطفية، بل عن إجابات واضحة، إنهم يريدون أن يعرفوا أين تقف القوى التي ادعت تمثيلهم، وأين يقف المسؤول الذي يمثل الدولة العراقية عندما توضع رموزهم وتضحياتهم موضع الاستهداف السياسي أو الإعلامي.
فالسياسة قد تفرض الجلوس مع الخصوم، لكنها لا تفرض التخلي عن المواقف، والدبلوماسية قد تقتضي ضبط الكلمات، لكنها لا تبرر غياب الرسائل، أما الصمت، فإنه يبقى في النهاية موقفاً بحد ذاته، وسيبقى الجمهور يسأل.. هل كان ذلك الصمت حكمة سياسية، أم أنه كان ثمناً يدفعه أصحاب السلطة عندما تصبح الكراسي أثقل من المبادئ؟
*المقال يعبر عن راي الكاتب

