نبيل الجمل*

في كل عام، تتجلى أروع صور الفرح والسرور في قلوب المؤمنين، حيث يحتفل المسلمون بذكرى ولادة سيد الخلق، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة والسلام. إن هذا اليوم الذي يُحتفى به في كل أرجاء العالم، يحمل في طياته معانٍ عميقة، تجسد الفرح الذي يعمّ قلوب المؤمنين بشخص النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" (الأنبياء: 107).

في اليمن، يرتدي هذا الاحتفال طابعًا خاصًا، إذ يتعاقب أبناء الشعب على إحياء هذه الذكرى الخالدة، فيتزينون بالأخضر، ويعبرون عن محبتهم وتقديرهم لسيد الخلق بحشود تتدفق إلى الساحات والميادين. حيث ينشدون القصائد ويُطلقون الأهازيج التي تعبر عن الفخر والانتماء، فالاحتفال هنا ليس مجرد طقوس، بل هو تجسيد لحبهم لنبيهم، الذي جاء ليُخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الهداية.

ولقد دلت الأحاديث النبوية على أهمية هذا اليوم وضرورة الاحتفال به، فقد أخرج مسلم في صحيحه أنه لما سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صيام يوم الإثنين، قال: "ذاك يوم وُلدت فيه" (رواه مسلم). وهذا دليل على عظم مكانة هذا اليوم في قلب النبي، وانعكاس ذلك على سلوك المؤمنين الذين يتبعون نهجه.

وكما كانت الآيات القرآنية تتحدث عن رسول الله، تأتي ذكرى مولده لتكون فرصة لتجديد العهد بالاتباع والإيمان برسالته. قال تعالى: "إن الله وملائكته يُصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا" (الأحزاب: 56). فهذا النداء الإلهي لنا، يشدد على أهمية الصلاة والسلام عليه في كل وقت، وحري بنا أن نضاعف ذلك في ذكرى ميلاده.

أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يؤكدون على ضرورة إحياء هذه الذكرى وتقدير مقام النبي، حيث قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "ما من مؤمن يذكُر النبي إلا وتنزل عليه رحمة من الله وذاك عطاء." فهذا القول الكريم يعبّر عن ارتقاء هذه المناسبة إلى مقامٍ عالٍ من الإحترام والتقدير، ويؤكد ضرورة تواتر الفرح والمحبة في ذكرى المولد.

مع مرور السنوات، يبقى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يمثل رمز الوحدة والمحبة بين اليمنيين، فيتعانق الجميع على مستوى القرى والحارات، وتُعقد الفعاليات وتُدشّن الأنشطة التي تحمل طابع الفرح والسرور. هذا الطوفان البشري الذي سيشهده يوم المولد النبوي يُعبر عن تجسيد واضح للحب المجتمعي الذي ارتبط برسول الله.

لنجدد العهد مع رسول الله، ولنُحيى هذه الذكرى العظيمة بدوافع دينية وروحية تجسد معاني الحب والوحدة، ولنجعل من احتفالنا بالمولد النبوي الشريف دعوة للتآلف والتسامح بين بني الإنسان.

فلنجعل من هذا اليوم مُلهمًا لنا في أعمالنا وأقوالنا، ولنُذكّر أنفسنا بأخلاق النبي العظيمة، ولنعمل على نشر رسالته في كل مكان. هيّا نستقبل ذكرى مولده، لنُعبر عن حبنا بطريقة تليق بمقامه، ونجعل من احتفالنا به طاقة إيجابية تنعكس على حياتنا وأعمالنا، لتكون السيرة النبوية نبراسًا يُهتدى به في زمن الظلمات.

صلوا عليه وآله وسلموا تسليمًا

* المقال يعبر عن رأي الكاتب