السياسية || محمد محسن الجوهري*


في الحالة السورية تتضح الرؤية كثيراً للجميع، حيث حولت واشنطن الإرهاب إلى دولة، وجعلت من التكفيري مستبداً يتحكم في رقاب السوريين ويقتلهم بالهوية، وكل ذلك حسب مصلحة واشنطن والكيان الصهيوني، وتتقاطع معهم في ذلك مصالح الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي، بدايةً من الخليج المتصهين.

الكارثة أن واشنطن يوماً ما ستتخلى عنه وتوسمه بالإرهاب عندما تتغير أولوياتها، وعندها سيُهرع غيره من الطغاة للتبرؤ منه، تماماً كما فعلوا مع نظام صدام حسين من قبل، ومع نظرائه من قادة الجماعات التكفيرية من أمثال الزرقاوي والظواهري وغيرهم. فالتاريخ لا يعيد نفسه، ولكن العرب يستنسخون أخطاء بعض بكل بلادة، حتى صارت الحرية عندهم خروجاً عن الدين وسباً للصحابة، حسب مفهومهم المشوه عن السنة.

ولكن قبل الكارثة، علينا أن نراجع ما حدث في سورية قبل أن يتكرر مرة أخرى في أوطاننا؛ ففي عام 2008، كانت حكومة أنقرة بقيادة رجب طيب أردوغان ترعى مفاوضات غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب. وبحسب إيهود أولمرت، رئيس حكومة الكيان حينها، فلو أن الرئيس السوري بشار الأسد استجاب للوساطة التركية القاضية بالتطبيع الكامل مع تل أبيب، لكانت سورية نجت من المصير الأسود الذي يخيم عليها منذ مارس 2011، وتسبب في إبادة مئات الآلاف وتهجير أضعافهم من أبناء الشعب السوري.

وفي السياق التاريخي لتلك المرحلة، تُشير شهادات ومذكرات العديد من السياسيين الإسرائيليين والدوليين إلى أن المسار السياسي السوري كان محط اهتمام بالغ وعرضة لضغوط واغراءات متتابعة، حيث تؤكد الوثائق المرتبطة بمفاوضات عام 2008 أن دمشق تلقت عروضاً إقليمية ودولية واسعة تهدف إلى تغيير بوصلتها السياسية والاستراتيجية مقابل تسوية شاملة، إلا أن تمسك القيادة السورية بالثوابت الوطنية والقومية حال دون القبول بتلك الشروط، مما فتح الباب أمام عاصفة من الضغوط والتدخلات غير المسبوقة التي أعادت رسم المشهد الإقليمي بأسره.

ويُحسب للأسد هذا الموقف المشرف، وأنه فضّل الصمود على التطبيع، وهذه ميزة رجولية قلما نجد مثلها في عالم عربي مثقل بالخونة، يتسابق قادته على الخيانة والتطبيع، ويرون في ذلك ذكاءً وحنكة سياسية، وصدق الله عندما عرّفهم: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة).

وعندما رفض الأسد الخيانة بدوافع عروبية قومية، تدافع العرب على خيانة سورية، ورأينا حكام الخليج ومشايخهم يكفرون الدولة السورية ويوسمونها بكل الأوصاف النابية، وضخوا من الأموال ما يكفي لإغراء ضعاف النفوس والزج بهم في دوامة العنف لتدمير بلدهم وتحويل سورية إلى مأساة بعد أن كانت منارة للعلم والتصنيع في العالم العربي.

وتسابق الإعلام العربي إلى تلميع الإرهاب، ورأينا قناة الجزيرة القطرية تظهر على حقيقتها وتقدم العصابات التكفيرية على أنها رمز للحرية والتقدم وانفتاح المجتمع المدني، بات التكفير المهنة الوحيدة الرائجة في سورية، وتسابق على شغلها العاطلون من داخل البلاد وخارجها. وهذا النوع من الدعم ستندم عليه الجزيرة وقطر يوماً ما عندما تدور الدائرة على الجماعات التكفيرية، وينتقل الغرب من الدعم المفتوح لهم إلى التشنيع الشديد عليهم، كما فعل جورج بوش الابن من قبل، بخلاف ما كان عليه حكم والده في الثمانينيات.

يمثل مسار شخصيات مثل أحمد الشرع (الجولاني) نموذجاً صارخاً لطبيعة التقاطعات المعقدة بين حركات التكفير السياسي المسلح وأروقة الاستخبارات الدولية، فانتقاله من قوائم الإرهاب إلى واجهات العمل السياسي دليلاً على إعادة تدوير استراتيجي تخدم مصالح واشنطن وتتقاطع مع قواعد اللعبة الدولية. وفي سياق الحالة السورية، تتضح ملامح هذه الصناعة الإقليمية التي توظف التكفير والاستبداد وفق الحاجة، قبل أن تتخلى عن وكلائها عندما تتبدل الأولويات، تماماً كما تؤكد الشواهد التاريخية.

وفي نهاية المطاف، تبقى هذه التحولات شاهداً على خطيئة الرهان على الأجندات الخارجية التي حوّلت الأوطان إلى مسارح للخراب، ما لم يعد العرب اكتشاف بوصلتهم الوطنية، ويدركوا أن استقرار الشعوب وحريتها الحقيقية لا تمنحهما عواصم الاستعمار ولن يُبنيا أبداً على أنقاض التبعية والدمار.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب