عدنان عبدالله الجنيد*

عندما تسقط النخب المرتهنة في مستنقع العمالة وتتحول الأقلام إلى أدوات لتبرير سياسات الاستكبار العالمي، تُمسخ الحقائق وتُقزم التضحيات. إن التساؤلات المشبوهة التي يطرحها البعض حول مدى نجاح إستراتيجية التعامل مع تعز مقارنة بالمناطق الساحلية، ليست سوى اجترار لقراءات غربية مسمومة تُبنى على معادلات المصلحة المادية الجافة، وتغفل تماماً الهوية الإيمانية المستقلة للشعب اليمني. إن المقارنة بين الساحل والجبل على أساس "الاحتواء السياسي" هي قراءة قاصرة؛ فالأرض في منطق المشروع القرآني جسد واحد لا يقبل التجزئة، والتحرك فيها ينطلق من مسؤولية دينية وأخلاقية لتطهير الوطن من رجس الوصاية ومخالب العمالة، وهو التحول الذي يقلق النظام السعودي ويُبطل استراتيجيات الاحتواء التاريخية التي فرضها على اليمن باعتباره حديقته الخلفية.

تعز لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل هي منبع التنوير الفكري ومهد الحركات التحررية والسيادية. ويتأكد ذلك من خلال أصالة جذورها الحميرية الضاربة في أعماق الحضارة اليمنية التي منحت أبناءها الاعتزاز بالسيادة ورفض التبعية. كما يعيدنا التاريخ القريب إلى المحطة الاستراتيجية التي اتخذ فيها الإمام أحمد حميد الدين من تعز عاصمة للمملكة المتوكلية اليمنية، لتتحول إلى مركز القرار السيادي وحصناً لمواجهة الغزو الأجنبي والمخططات الاستعمارية البريطانية الغربية. علاوة على ذلك، مثلت تعز القاعدة اللوجستية والشريان المغذي لثورة 14 أكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب، وعاصمة للثقافة صاغت الوعي الوطني لأجيال متعاقبة.

معركة السيادة لا صفقات الاحتواء ومعادلة الردع البحري
إن ما يروجه المرجفون حول وجود تفاهمات أمنية أو صفقات نفعية في مناطق الساحل والبرح وباب المندب هو تزييف للوعي؛ فالتحرك في الساحل الغربي كان موقفاً جهادياً مصيرياً لحماية الأمن القومي والسيادة البحرية لليمن في مواجهة مباشرة مع أمريكا وبريطانيا والعدو الصهيوني. وقد جاء نجاح تأمين الساحل الغربي عبر يقظة الوعي الفطري لدى الإنسان الساحلي والتحامه مع الجيش واللجان الشعبية، مما سحب بساط السيطرة البحرية من الولايات المتحدة وحلفائها وحوّل البحر الأحمر إلى ساحة يمتلك فيها اليمن القدرة على فرض معادلات ردع بحرية خانقة للاقتصاد الغربي، مشلاً قدرة الأساطيل الأمريكية والبريطانية على فرض إرادتها.

انتحار الأيديولوجيا الحزبية والدور السعودي في تمزيق النسيج الاجتماعي
تراهن قوى العدوان على ما تسميه الخصوصية الحزبية لمدينة تعز، زاعمة أن تغلغل الكيانات الحزبية (كالإصلاح وغيره) يشكل جداراً أمام الفكر التحرري. لكن الواقع أثبت تحول تلك الكيانات إلى أدوات تبيع كرامة تعز وتحول أحياءها إلى ساحات للتصفيات البينية ونهب الممتلكات وزرع الجماعات التكفيرية، وهو نتاج مباشر للدور التخريبي للنظام السعودي الذي عمد عبر شبكات أمواله إلى إذكاء الصراعات الفئوية لتقسيم تعز وإبقائها في حالة إنهاك دائم. إلا أن الإنسان التعزي يتجه اليوم نحو "فضاء الوعي القرآني" الذي يعيد للمدينة كرامتها ويجمع شتاتها تحت راية العزة الإيمانية والمواطنة المصانة، متجاوزاً الانقسامات الحزبية الضيقة.

المبادرات الإنسانية لحكومة صنعاء مقابل تعنت الطرف الآخر
في إطار المسؤولية القيمية والأخلاقية الشاملة للمشروع القرآني، تجسد الموقف العملي لحكومة صنعاء وقيادة "أنصار الله" تجاه تعز من خلال إطلاق مبادرات متتالية لفتح الطرقات والمنافذ وتخفيف المعاناة الإنسانية عن المواطنين:
المبادرات من جانب واحد: أعلنت صنعاء فتح عدة طرق محورية (منها طريق جولة القصر - القصر الجمهوري، وطرقات في الأرياف) لتسهيل حركة المرور والبضائع، انطلاقاً من واجبتها الإنسانية والشرعية وليس ككرت للمناورة أو الابتزاز السياسي.
في المقابل، واجهت القوى الموالية للتحالف هذه المبادرات بالرفض والتنصل وإغلاق المنافذ من جانبها، ملحقة الضرر بأبناء المحافظة لاستغلال ملف الطرقات إعلامياً والتكسّب من واقع الحصار والتقسيم.

خاتمة: الجبل يتنفس الحرية
إن الإستراتيجية الحقيقية التي تحكم مسار الأحداث في تعز ليست خطة أمنية مجتزأة تُستنسخ من الساحل لتُطبق في الجبل، بل هي ثمرة المشروع القرآني الشامل الذي يتسع لكل الأحرار. تعز لن تظل رهينة لعقدة العمالة، ولن تنحني جبالها للرياح القادمة من غرف الاستخبارات الخارجية، بل تمضي بخطى واثقة صوب الوعي والبصيرة لتظل قلب اليمن النابض بالإيمان والرافض أبد الدهر للوصاية والارتهان.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب