السياسية - وكالات:

تشهد محافظات جنوب سوريا تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الاعتداءات التي تنفذها قوات العدو الإسرائيلي. ولعل في مقدمة هذه الاعتداءات استمرار انتهاك السيادة وتصاعد التوغلات البرية. حيث صعّدت القوات الإسرائيلية بشكل لافت وتيرة توغلاتها في الجنوب السوري خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر الجاري.

ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان 125 توغلاً خلال 21 يوماً فقط في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق، في أعلى حصيلة شهرية للتوغلات منذ سقوط نظام الأسد، رغم عدم اكتمال الشهر.

وقال المرصد إن هذا الرقم يكشف عن تسارع كبير في وتيرة التحركات العسكرية "الإسرائيلية" مقارنة بالأشهر السابقة، إذ تجاوزت حصيلة أكتوبر خلال ثلاثة أسابيع فقط 95 توغلاً في أغسطس و88 توغلاً في سبتمبر.

وبدأت التوغلات "الإسرائيلية" المكثفة في عمق الجنوب السوري في 8 ديسمبر 2024، بالتزامن مع سقوط النظام السوري السابق وانسحاب قواته من خطوط فض الاشتباك.

ومنذ سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024 وحتى 21 أكتوبر 2026، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان 1229 توغلاً "إسرائيلياً" داخل الأراضي السورية، تركزت بصورة أساسية في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق.

وسُجل 14 توغلاً منذ سقوط النظام وحتى نهاية ديسمبر 2024، فيما بلغ عدد التوغلات خلال عام 2025 460 توغلاً، مع ارتفاع ملحوظ في وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة من العام، ولا سيما نوفمبر الذي شهد 90 توغلاً، وديسمبر الذي سجل 76 توغلاً.

وخلال عام 2026، وثّق المرصد 755 توغلاً منذ مطلع العام وحتى 21 أكتوبر، منها 125 توغلاً خلال الأيام الـ21 الأولى من أكتوبر.

وترافقت التوغلات مع تحركات عسكرية إسرائيلية متكررة في قرى وبلدات ريف القنيطرة، شملت مداهمات لمنازل وإقامة حواجز مؤقتة ورفع سواتر ترابية وتحركات للآليات العسكرية، إلى جانب نشاط جوي متواصل للمروحيات وطائرات الاستطلاع.

وقال المرصد السوري: ومع تسجيل 125 توغلاً خلال 21 يوماً فقط من أكتوبر، تتسع الفجوة بين التصعيد "الإسرائيلي" المتسارع على الأرض والموقف في دمشق، فيما يدفع سكان القنيطرة ودرعا وريف دمشق ثمن هذا الواقع من أمنهم وحرية تنقلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.

ورغم وجود العدو الاسرائيلي في الجولان المحتل منذ عام 1967، إلا أن هذه العمليات البرية المستمرة مثّلت نمطاً جديداً لفرض قواعد اشتباك ومناطق عسكرية داخل الأراضي السورية.

ووفق مراقبين، تواصل آلة الحرب الصهيونية من خلال هذه التوغلات رسم خريطة أمنية جديدة في الجنوب السوري تقوم على تقسيم المنطقة إلى نطاقات عسكرية وتحويل القرى الحدودية إلى مساحات مفرغة من الحياة.

في السياق ذاته، لم يعلن جيش العدو الإسرائيلي عن مساحة جغرافية كلية ثابتة بالدونمات لتحركاته داخل الجنوب السوري، لكن تحركاته أدت إلى السيطرة الميدانية وبسط النفوذ العسكري على مساحات استراتيجية واسعة تشمل: منطقة فض الاشتباك (المنطقة العازلة)، حيث تمت السيطرة الكاملة على المنطقة المنزوعة السلاح المحددة باتفاق عام 1974، إضافة إلى استمرار توغل هذه القوات خلف خط ووقف إطلاق النار بعمق يتراوح بين 2 إلى 4 كيلومترات في قرى محافظتي القنيطرة ودرعا مثل قرى صيدا وعابدين ومعربة.

كما ثبت العدو الإسرائيلي نقاطًا عسكرية وقواعد استراتيجية فوق التلال والمرتفعات الحاكمة، وأبرزها قمة جبل الشيخ، التي ترتفع لأكثر من 2800 متر والتلول الحمر وتل أحمر الغربي.

كما عمل العدو الإسرائيلي على قضم الأراضي الزراعية، حيث سيطر مستوطنون وجيش العدو على أكثر من 10 آلاف دونم قرب نهر ووادي الرقاد في ريف القنيطرة عبر تحويلها لمراعٍ حصرية لهم والاستعانة بقطعان الماشية لقضم المساحات. كما شيدت قوات العدو خندقاً دفاعياً وساتراً ترابياً ممتداً لتعزيز السيطرة البرية الطويلة الأمد.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التوغلات الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة، تتجول القوات "الإسرائيلية" بحرية في مناطق الجنوب السوري، وتدخل القرى والبلدات وتقيم الحواجز وتنفذ تحركات عسكرية داخل الأراضي السورية، في مشهد يعكس اتساع نطاق حضورها العسكري على الأرض.




الانتهاكات..لا تتوقف

على صعيد الانتهاكات التي يرتكبها العدو الإسرائيلي، فقد وثقت التقارير الحقوقية والأممية (بما فيها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية) انتهاكات واسعة ضد السيادة والمدنيين، ترقى بعضها لجرائم حرب، مثل القتل واستهداف المدنيين من خلال إطلاق النار المباشر على الرعاة والمزارعين، مما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، من بينهم أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. وكذلك الاعتقال والاحتجاز التعسفي، من خلال دهم منازل المدنيين وتفتيشها واعتقال أفراد منها؛ حيث تؤكد الأمم المتحدة استمرار احتجاز عشرات السوريين داخل "إسرائيل" دون التحقق من أعدادهم الإجمالية.

ومن ضمن الانتهاكات تجريف الأراضي وإتلاف المحاصيل، من خلال اقتلاع وتجريف مئات الدونمات الزراعية، لا سيما أشجار الزيتون في ريف القنيطرة الجنوبي لإقامة تحصينات أو تدمير ممتلكات السكان.

كذلك تشمل الانتهاكات الحصار والتضييق المعيشي، من خلال نصب حواجز عسكرية مؤقتة ودائمة عند مداخل القرى (مثل الصمدانية الشرقية ورسم الحلبي)، وإغلاق الطرق وإعاقة حركة السكان، مما يحرم المزارعين والرعاة من الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.




تجريف الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون

من صور هذه الانتهاكات في ريف القنيطرة الجنوبي، جرى تجريف نحو 13 دونماً واقتلاع قرابة 300 شجرة زيتون في قرية صيدا الحانوت، كما طالت أعمال التجريف أراضي زراعية في محيط تلة الحمرية قرب قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي، وسط إفادات عن اقتلاع أشجار الزيتون والتفاح والكرز وإقامة سواتر ترابية تعيق وصول الأهالي إلى أراضيهم، وقدّر السكان المساحات المتضررة بمئات الدونمات.

وفي ريف درعا الغربي، أضرمت قوات العدو النيران في مستودع للأعلاف وأجزاء من منزل بمنطقة وادي الرقاد، وتضررت محتويات المنزل وعدد من ألواح الطاقة الشمسية، قبل أن يتمكن الأهالي من إخماد الحريق، وهو ما يضيف أعباء على العائلات التي تعتمد على تربية المواشي.

وأكد المرصد السوري أن حصيلة التوغلات تثير مخاوف على سلامة السكان واحترام سيادة سوريا، مطالبا بوقف التوغلات وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات ومنع التهجير القسري والاستيلاء على الممتلكات.

من الانتهاكات الأخيرة، أغلقت قوات العدو، أمس الجمعة، عدداً من الطرق في الجهة الغربية لمزرعة الزعرورة التابعة لبلدة الرفيد في الريف الجنوبي للقنيطرة عقب توغل آلياتها، ما قيّد حركة المواطنين.

ومساء الجمعة، قصفت مدفعية العدو أطراف بلدة الحميدية بريف القنيطرة الشمالي وأطراف قرية زبيدة الغربية بريف القنيطرة الأوسط بالمدفعية الثقيلة، دون ورود معلومات عن خسائر بشرية، بحسب المرصد السوري.

إلى ذلك، كشف مركز "سجل" السوري، عن تصاعد النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا خلال أكتوبر الجاري، مع تكثيف تحليق الطائرات المسيرة وتزايد التحركات البرية.وبحسب توثيق نشره المركز على منصة "إكس" اطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، فإن قوات العدو تعتزم إنشاء نقطة استطلاع جديدة في بلدة الحميدية بريف القنيطرة، بما يعكس توجهاً لتثبيت الوجود في التلال الحاكمة.

ورصد المركز 68 عملية تحليق لمسيرات "إسرائيلية" خلال 20 يوماً فقط من أكتوبر، متجاوزًا إجمالي تحليقات سبتمبر بأكمله، لافتًا إلى أن المعدل اليومي للتحركات البرية في أكتوبر يفوق نظيره في أغسطس، مع تطور طبيعتها لتشمل استطلاعا وتطويقا ومداهمات وتوغلات.



88 انتهاكا في أسبوع وجرائم بحق المدنيين

ووثّق المركز ذاته 88 انتهاكاً في محافظات القنيطرة ودرعا ودمشق وريف دمشق، خلال الفترة من 15 حتى 21 أكتوبر 2026، شملت 28 توغلا، و31 تحليقا، و7 مداهمات، وإقامة 11 نقطة تفتيش، واحتجاز 6 أشخاص، وحالتي قصف.

ولم تقتصر الانتهاكات على الأرقام، بل تحولت إلى جرائم مباشرة. فقد أكد المركز، يوم الخميس، تشييع جثمان المواطن معاذ سلامة البعير، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي استُشهد برصاص قوات العدو خلال توغلها في قرية جملة بريف درعا الغربي، معتبرا أنه "واحدٌ من عشرات السوريين الذين تغدر بهم آلة القتل "الإسرائيلية" منذ 8 ديسمبر 2024".

تزامنًا مع الاعتداءات، شهدت مناطق سورية عدة، أمس الجمعة، مظاهرات رفضاً للتوغلات، فيما شهدت العاصمة دمشق وقفة احتجاجية لأهالي المعتقلين في سجون العدو أمام مبنى الأمم المتحدة، للمطالبة بكشف مصير أبنائهم والعمل على الإفراج عنهم.



تحذير أممي: 280 توغلاً في شهر

دوليًا، وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نحو 280 توغلاً "إسرائيلياً" خلال سبتمبر الماضي وحده، وهو الأعلى منذ بداية العام، وفق ما نقله موقع الجزيرة نت.

وقالت المتحدثة باسم المفوضية شابيا مانتو، في بيان على موقع المفوضية، إن الوقائع شملت مداهمة منازل وفرض قيود على الحركة ومضايقة المدنيين وترهيبهم واحتجازا تعسفيا وتدمير سبل العيش.

وأشارت إلى استمرار احتجاز ما لا يقل عن 49 سورياً لدى "إسرائيل"، مع تقارير عن احتجاز مطول تجاوز عاما كاملا دون إبلاغ المحتجزين بالأسباب، ونقلهم بين مرافق مجهولة، وتعرضهم للتعذيب والضرب والإجبار على الوقوف طويلا وإطلاق الكلاب عليهم وتهديدهم وعائلاتهم، فيما أُفرج في أغسطس وسبتمبر عن 14 شخصا على الأقل.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد أكد خلال زيارته دمشق في يوليو الماضي، أن "انتهاكات سيادة سوريا وسلامتها غير مقبولة ويجب على "إسرائيل" التقيد باتفاق عام 1974".



خسائر اقتصادية ومعيشية

ولا تقاس الخسائر بعدد الآليات بل بحجم الأراضي التي فقد السكان القدرة على استثمارها والعائلات التي تؤجل العودة والأنشطة المعطلة.

ويقول رئيس بلدية بئر عجم في ريف القنيطرة، فؤاد مروان إبراهيم، لصحيفة "العربي الجديد"، إن معظم سكان المنطقة تهجروا خلال الحرب ولم يتمكنوا من العودة بسبب التوغلات المتكررة، موضحًا أن الشعور بالأمان شرط أساسي للعودة، وأن استمرار التحركات "خلق حالة خوف وأثر بصورة كبيرة في عودة المهجرين".

ويكشف أن الساتر الترابي الذي أنشأته قوات العدو الإسرائيلي بعد 8 ديسمبر 2024 اقتطع نحو أربعة آلاف دونم على امتداد ثمانية كيلومترات ضمن قطاع بلديته وحدها، وهي أراض مملوكة للسكان وتشكل مصدر دخل لعائلات تعتمد على الرعي.



نطاقات أمنية توسعية

وتُظهر الوقائع التي وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع العام تنوع العمليات الإسرائيلية بين الضربات الجوية والتوغلات والعمليات البرية، التي طالت مناطق في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، وأسفرت في عدد من الحالات عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم أطفال.

وفي قراءة للأبعاد العسكرية والسياسية، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، أن العمليات "الإسرائيلية" في الجنوب ترتبط بتحول في مفهوم "الأمن الدفاعي الإسرائيلي" منذ طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وينعكس على طبيعة الانتشار قرب الجولان المحتل.

ويقول علوان، إن الجنوب يمثل مساحة واسعة، وإن التحركات الجارية لا يمكن النظر إليها كعمليات منفصلة، بل في سياق تصور أمني أوسع.

ويعتقد أن "إسرائيل تتجه لإنشاء نطاقات أمنية متعددة، يقوم أولها على منطقة مدمرة بصورة كاملة، فيما يشمل الثاني مناطق تنفذ فيها دوريات وتدخلات مستمرة، أما الثالث فتسعى فيه لفرض ترتيبات تمنع وجود قطع عسكرية أو أسلحة، بما يوسع نطاق تأثيرها إلى ما وراء مواقع انتشارها المباشر".

ويشير علوان إلى أن التلال الحاكمة والمرتفعات تمثل أهمية خاصة في "الحسابات الإسرائيلية"، مرجحاً سعي القوات للسيطرة عليها وإنشاء نقاط عسكرية ثابتة لمراقبة مساحات أوسع والتحكم بالتحركات، وهو ما يفسر السعي لإنشاء نقطة استطلاع في الحميدية.

ويخلص إلى أن السيطرة على المرتفعات وإقامة المواقع يمكن أن تؤثر في وصول السكان إلى أراضيهم ومراعيهم والطرق بين القرى، حتى دون وجود عسكري دائم، لتتحول التوغلات من عمليات عابرة إلى مشروع احتلال مقنع يفرض واقعا جديدا في الجنوب السوري.

وهنا يشدد المرصد السوري لحقوق الإنسان، على أن حماية المدنيين والحفاظ على السيادة السورية تتطلبان مواقف وإجراءات تتجاوز حدود بيانات الإدانة والرفض، في ظل استمرار التوغلات وسقوط الضحايا، بما يضع مسؤولية حماية السكان ووحدة الأراضي السورية وسلامتها أمام اختبار متواصل.