السياسية || محمد محسن الجوهري*



حتى اليوم لا يوجد تعريف واضح وصريح لمفردة 'ميليشيا'، فهي في العالم العربي اليوم تشير إلى تناقض كبير؛ فتارةٍ يُتهم طرفٌ بأنه ميليشيا، وتارة أخرى تُمنح تلك الميليشيا صفة 'الدولة' وفقاً لما تقتضيه المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

فمثلاً، يُصنف 'أنصار الله' في اليمن كميليشيا، بينما تُصوّر 'جبهة النصرة' في سورية كدولة وجيش؛ ولا فرق بينهما إلا لأن الأولى تعارض المصالح الأمريكية بينما تخدمها الثانية. وهكذا يستمر التناقض في عالمنا العربي. فما هو المعيار الحقيقي لتصنيف طرفٍ ما بأنه ميليشيا من عدمه؟

قد يتجسد هذا المعيار في السياسة التحريرية لقناة 'الجزيرة' باعتبارها الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيراً في المنطقة؛ فهي التي أدارت المشهد في سورية واصفةً جهاتٍ بالميليشيات وأخرى بالدولة. ومن ذلك أن تنظيم 'داعش' كان يُطلق عليه في شاشتها 'تنظيم الدولة الإسلامية'، متجنبةً تسميته بـ 'داعش' رغم أنه مجرد اختصار للاسم ذاته. أما في المشهد اليمني، فتصر القناة على استخدام مصطلح 'الحوثيين'، ممتنعةً عن استخدام تسمية 'أنصار الله'؛ إدراكاً منها أن هذا الاعتراف يتعارض مع التوجهات والمصالح الأمريكية.

وإذا أردنا تفكيك هذا التناقض بشواهد حية من السياسة الدولية، لوجدنا أن مصطلح "الميليشيا" ليس وصفاً عسكرياً ثابتاً بل صك غفران أو إدانة تُديره القوى الكبرى. فعلى سبيل المثال، عندما كانت "حركة طالبان" تقاتل الوجود السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، استقبلهم الرئيس الأمريكي رونالد ريجان في البيت الأبيض ووصفهم بـ "المجاهدين وأبطال الحرية"، ولكن ذات الجماعة تحولت في القاموس الأمريكي إلى "ميليشيا إرهابية" بمجرد أن تصادمت مصالحها مع واشنطن بعد عام 2001.

وبالمثل في المشهد الليبي المعاصر، تُصنف القوى الغربية فصائل الغرب الليبي كـ "قوات نظامية" تابعة للحكومة الشرعية، بينما يرى فيهم خصومهم مجرد "ميليشيات جهوية"، في حين يُمنح "الجيش الوطني الليبي" بقيادة حفتر تارةً صفة المؤسسة العسكرية وتارةً صفة الميليشيا المتمردة بناءً على تقلب المصالح والتحالفات الإقليمية في تلك اللحظة.

وإذا تتبعنا التاريخ السياسي للمنطقة العربية، سنجد أن معظم الجيوش النظامية الحالية نشأت في الأصل كميليشيات؛ فالجيش السعودي، على سبيل المثال، بدأ كمجموعات 'وهابية' مارست القتل على الهوية. وعندما اجتاحت تلك المجموعات بلاد الحرمين مطلع القرن العشرين، أبادت سكان الطائف وارتكبت مجازر في الحجاز والمناطق اليمنية، وصولاً إلى تبوك والمدينة المنورة. ولكن بفضل الرعاية الغربية، والبريطانية تحديداً، تحولت تلك الميليشيات إلى دولة تُعرف اليوم بالجيش السعودي، بل وأُطلق اسم الأسرة الحاكمة على بلاد الحرمين بأكملها، رغم أنها نشأت كميليشيا وظفتها خدمة المصالح الصهيونية.

وفي المقابل، فإن الحركات التي تمارس المقاومة المشروعة في فلسطين تتعرض للاضطهاد والتشويه؛ فتُصنف حركتا 'حماس' و'الجهاد الإسلامي' في غزة والضفة الغربية كميليشيات إرهابية لمجرد دفاعهما عن الأرض في وجه الاحتلال الصهيوني. وفي الوقت ذاته، تُعامل أجهزة 'حركة فتح' في نظر المجتمع الدولي كـ 'سلطة شرعية' رغم عدم الاعتراف بها كدولة، وذلك لمجرد مهادنتها للسياسات الصهيونية.

هذا التناقض الصارخ يعكس واقعاً عربياً خاضعاً لمنطق القوة السياسية والهيمنة الإعلامية؛ غير أن الحقيقة تقتضي أن يكون 'الحق والعدالة' هما المعيار الثابت، بعيداً عن المسميات والاصطلاحات الموجهة التي تصيغها أطراف النزاع."




* المقال يعبر عن رأي الكاتب