بوصلة الأطماع الأمريكية تتوجّه نحو جزيرة جرينلاند: الحيثيات والتوقعات
السياسية - وكالات:
عادت الأطماع العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة للظهور من جديد، وازدادت شهية ترامب لغزو واحتلال مزيد الدول بعد العدوان الذي شنه على فنزويلا.. فيما يبدو أنه إعادة انتاج للإمبريالية بصيغة حديثة.
فها هو يصرح برغبته في ضم جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، ويبرر ذلك بأن الصين وروسيا ستسبقه إلى السيطرة على الجزيرة إذا لم يستول عليها.
وخلف هذه المبررات تقف طموحات السيطرة على الثروات وتوسيع النفوذ الأمريكي.. ولكن المختلف هذه المرة أن المواجهة ستكون مع دول يفترض أنها حليفة للولايات المتحدة.
وصرح ترامب علانية بعدم اعترافه بالقانون الدولي في سابقة تهدد بنسف الاتفاقيات والعهود الدولية التي قام عليها النظام الدولي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فما الذي وجّه الأطماع الأمريكية نحو جرينلاند الواقعة في القطب الشمالي هذه المرة؟ وماهي ردود الفعل ومواقف الدول الأوروبية وحلف الناتو من هذا التوجه الاحتلالي.
وفي آخر مستجدات هذه القضية، كشفت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمر قادة قواته الخاصة بوضع خطة لغزو غرينلاند، لكن هذه الخطة تواجه معارضة من كبار القادة العسكريين.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة، قولها إن "الصقور" المقربين من الرئيس الأمريكي، وعلى رأسهم المستشار السياسي ستيفن ميلر، قد ازدادوا جرأةً بعد نجاح "عملية القبض" على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لدرجة أنهم يريدون التحرك سريعًا للاستيلاء على الجزيرة قبل أن تُقدم روسيا أو الصين على أي خطوة.
وأضافت الصحيفة أن الدبلوماسيين البريطانيين يعتقدون أن ترامب مدفوع أيضاً برغبة في صرف انتباه الناخبين الأمريكيين عن أداء الاقتصاد الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي في وقت لاحق من هذا العام، والتي قد يفقد بعدها سيطرته على الكونغرس لصالح الديمقراطيين.
وتابعت "لكن مثل هذه الخطوة الجريئة ستضعه في خلاف مع السير كير ستارمر، وستؤدي فعلياً إلى انهيار حلف الناتو".
وقالت حكومة جرينلاند، الاثنين، إنها ستزيد من جهودها لضمان الدفاع عن الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي تحت رعاية حلف شمال الأطلسي، ورفضت مرة أخرى طموح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاستيلاء عليها.
وأضافت الحكومة الائتلافية في الجزيرة في بيان، أن "جميع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، ومنها الولايات المتحدة، لديها مصلحة مشتركة في الدفاع عن جرينلاند".
بريطانيا تدرس إرسال قوات
وفي رد فعل بريطاني، قالت صحيفة "تليجراف" إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يدرس خيار إرسال قوات عسكرية إلى جزيرة جرينلاند، في إطار مساعٍ أوروبية لاحتواء ما وصفتها بـ" مخاوف الرئيس الأميركي" المتعلقة بالأمن في القطب الشمالي، وإثنائه عن تهديداته بالاستيلاء على الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية.
وأضافت الصحيفة في تقرير، أن "داونينج ستريت" يجري محادثات مع حلفاء أوروبيين بشأن نشر قوة عسكرية في جرينلاند تتولى حماية منطقة القطب الشمالي، في خطوة تهدف إلى "طمأنة ترامب".
وبحسب التقرير، يعمل قادة عسكريون على إعداد خطط لمهمة محتملة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الجزيرة، بعد أن هدد الرئيس الأميركي بالسيطرة عليها لأسباب "تتعلق بالأمن القومي".
وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين بريطانيين عقدوا خلال الأيام الماضية اجتماعات مع نظرائهم من عدد من الدول، من بينها ألمانيا وفرنسا، لبدء التحضيرات لهذه الخطط.
وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مصادر حكومية، بأن ستارمر يأخذ التهديد الروسي والصيني في المنطقة "بجدية بالغة"، ويتفق على ضرورة اتخاذ إجراءات.
وكان ترامب أعلن أن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك جزيرة جرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها في المستقبل، على حد زعمه.
وأوضح ترامب في تصريحات صحفية في البيت الأبيض قائلا "سنفعل شيئا بشأن جرينلاند سواء أعجبهم أم لا ، لأننا إذا لم نفعل ذلك، فسوف تستولى روسيا أو الصين على جرينلاند، ولن تكون روسيا أو الصين جارتنا".
وقال ترامب إن الولايات المتحدة "يجب أن تستحوذ على جرينلاند، على الرغم من أن لديها بالفعل وجود عسكري في الجزيرة بموجب اتفاقية عام 1951، لأن مثل هذه الاتفاقيات ليست كافية لضمان الدفاع عن غرينلاند". وتعد الجزيرة إقليما مستقلا تابعا لمملكة الدنمارك.
وأضاف "يجب الدفاع عن الملكية، لا عن عقود الإيجار، وعلينا أن ندافع عن جرينلاند، وإذا لم نفعل ذلك، فإن الصين أو روسيا ستفعل ذلك"،
ويناقش ترامب ومسؤولو البيت الأبيض خططا متنوعة لإخضاع جرينلاند لسيطرة الولايات المتحدة، بما في ذلك الاستخدام المحتمل للجيش الأمريكي ودفع مبالغ مالية لسكان جرينلاند في محاولة لإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك وربما الانضمام إلى الولايات المتحدة.
وفي رد فعل على تصريحات ترامب، حثت الصين يوم الاثنين، الولايات المتحدة على الإحجام عن استخدام الدول الأخرى كذريعة لتحقيق مصالحها الخاصة.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، في مؤتمر صحفي ، إن "القطب الشمالي منطقة تخص المصالح العامة للمجتمع الدولي برمته"، مضيفة أن أنشطة الصين في القطب الشمالي تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.
وتعد جرينلاند الغنية بالمعادن أكبر جزيرة غير قارية في العالم، إذ يبلغ عدد سكانها 56,000 نسمة، يعيشون على 20% من مساحة البلاد غير المغطاة بالجليد والثلوج التي تسيطر على 80% من مساحتها.
وتتمتع بحكومة محلية لكنها أيضًا جزء من مملكة الدنمارك، فعلى الرغم من بُعد المسافة بين جرينلاند والدنمارك بحوالي 3532 كيلومترًا، إلا أنها لا تزال ترتبط بالدنمارك سياسيًا وثقافيًا لنحو ألف عام، وأُعيد تعريفها كمقاطعة تابعة للدنمارك، ولها ممثلين في البرلمان الدنماركي "فولكتنج"، وتسمى جرينلاند في اللغة المحلية "كالاليت نونات" وهي تعني "أرض الشعب".
جرينلاند: لا نريد أن نكون أمريكيين
من جانبهم، قال قادة خمسة أحزاب سياسية في برلمان جرينلاند في بيان مشترك إن البرلمان سيعجل موعد عقد اجتماعه لمناقشة رده على التهديدات الأمريكية بالسيطرة على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.
وقال قادة الأحزاب المنتخبة في البرلمان في بيانهم، "نؤكد مرة أخرى رغبتنا في أن يتوقف ازدراء الولايات المتحدة لبلدنا".
وأضافوا في البيان، الذي نشره رئيس وزراء جرينلاند ينس فريدريك نيلسن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، "لا نريد أن نكون أمريكيين، ولا نريد أن نكون دنمركيين، بل نريد أن نكون من سكان جرينلاند".
ورفض دبلوماسيون من دول الشمال الأوروبي مزاعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تتعلق بوجود سفن روسية وصينية تعمل بالقرب من جرينلاند، والتي استند إليها لتبرير رغبته في ضم الجزيرة القطبية الشاسعة من الدنمارك، حسبما أفادت به صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية.
وقال اثنان من كبار الدبلوماسيين من دول الشمال الأوروبي، ممن اطلعوا على تقارير استخباراتية لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، إنه "لم تكن هناك أي دلائل على وجود سفن أو غواصات روسية أو صينية في جرينلاند خلال السنوات الأخيرة".
وأضاف أحد كبار الدبلوماسيين: "ليس صحيحاً على الإطلاق وجود سفن أو غواصات روسية أو صينية هناك، لقد اطلعت على المعلومات الاستخباراتية، لا توجد سفن ولا غواصات".
خط أحمر وانهيار الناتو
رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن، حذرت من جانبها من أن أي تحرك عسكري أمريكي سيعني "انهيار حلف الناتو"، بينما رد رئيس وزراء جرينلاند، فريدريك نيلسن، ببيان حاد قال فيه: "لسنا بيادق في شطرنج ترامب، كفى أوهاماً حول الضم".
كما حذّر مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس، من أن استيلاء الولايات المتحدة على جرينلاند سيكون نهاية حلف الأطلسي.
ميدانيا، يرى محللون أن "الجيش الأمريكي لن يجد صعوبة في احتلال سريع لجرينلاند التي يقل عدد سكانها عن ستين ألف نسمة، والمفارقة أن الأمريكيين يملكون أصلا قاعدة عسكرية هناك".
مبررات ترامب
واستخدم ترامب مبرراتٍ متباينة لرغبته في السيطرة على جزيرة جرينلاند، ذات الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية البالغة، بدءاً من الأمن القومي وصولاً إلى مصالح التعدين، لكنه أشار مراراً إلى السفن الروسية والصينية، مع تصاعد حدة خطابه في الأسابيع الأخيرة.
وقال ترامب قبل أسبوع: "إن جرينلاند الآن مغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان، نحن بحاجة إلى جرينلاند من منظور الأمن القومي".
ويؤكد مسؤولون من جرينلاند والدنمارك أن الصين "لم تُبدِ أي اهتمام يُذكر منذ أن رفضت الدنمارك، تحت ضغطٍ شديد من الولايات المتحدة، محاولةً منها للمساعدة في بناء عدة مطارات على الجزيرة القطبية".
مواجهة مع القارة الأوروبية
وقال المفكر السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد، إن المشهد الدولي الراهن يمر بمرحلة فريدة من نوعها تتجاوز في تعقيداتها ثنائية الحرب الباردة أو النظم التقليدية لتعدد القوى، مؤكداً أن دونالد ترامب يمثل ظاهرة رئاسية مغايرة تماماً لكل من سبقه في البيت الأبيض.
وقال سعيد، في تحليل معمق خلال لقاء تلفزيوني ، نقله موقع "مصراوي" ، "إن الإستراتيجية التي يتبعها ترامب تندرج تحت مسمى "الإمبريالية الحديثة"، وهي فلسفة تعتمد على فرض الهيمنة واستعراض القوة العسكرية والسياسية، لكن مع تجنب الانزلاق في استنزاف بشري أو مادي كالذي شهدته واشنطن في تجارب سابقة مثل العراق وأفغانستان"، مستشهداً بـ "حرب الـ 12 يوماً" مع إيران كنموذج لهذا النمط.
وأضاف المفكر السياسي أن هذه التوجهات تتضح جلياً في الأطماع الأمريكية تجاه فنزويلا، حيث تتجاوز الرغبة في التغيير السياسي إلى السعي للسيطرة الكاملة على الموارد، مشيراً إلى أن طموحات ترامب التوسعية وصلت إلى حد التفكير في الاستحواذ على جزيرة جرينلاند.
وذكر أن هذا الطرح بشأن جرينلاند لم يضع ترامب في صدام مع الدنمارك فحسب، بل وضعه في مواجهة مباشرة مع القارة الأوروبية بأكملها، مما يعكس حدة التوترات الدولية التي يثيرها هذا النمط الجديد من القيادة الأمريكية.
من جانبه ، قال موقع "يلا نيوز" إن طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه جزيرة جرينلاند انتقلت من خانة التصريحات الجدلية إلى حيز "التنفيذ الاستراتيجي".
ففي مطلع يناير 2026، وبينما تنشغل الإدارة الأمريكية بملفات ساخنة في فنزويلا وغزة، يبرز القطب الشمالي كساحة مواجهة قادمة مع حلفاء واشنطن التقليديين قبل خصومها، في تحول دراماتيكي لم يشهده العالم منذ الحرب الباردة.
ويضيف الموقع أن ترامب "لايرى في جرينلاند مجرد مساحات جليدية؛ بل يراها مخزناً تكنولوجياً عالمياً ، اذ تشير التقارير الاستخباراتية والاقتصادية المحدثة إلى أن السيطرة على الجزيرة تعني امتلاك مفاتيح الاقتصاد القادم.
وأثار وصف ترامب للدنمارك بأنها تكتفي بـ"زلاجات الكلاب" غضباً عارماً في كوبنهاجن.
لكن خلف الكواليس، حسب الموقع ، تدرس واشنطن خيارين: المسار المالي (إغراء السكان) وذلك عن طريق تقديم دفعات نقدية مباشرة تصل إلى 6 مليارات دولار لسكان الجزيرة (57 ألف نسمة) لدعم الاستقلال عن الدنمارك والارتباط بواشنطن.
والمسار الأمني: توسيع قاعدة "بيتوفيك" (بيتو سابقاً) الفضائية قسرياً، وفرض منطقة حماية عسكرية تمنع السفن الصينية والروسية من الاقتراب.
مقامرة ترامب الكبرى
وتعتبر التحليلات السياسية أن ترامب في عام 2026 لا يبحث عن عقار جديد، بل يسعى لضمان تفوق تكنولوجي وعسكري أمريكي لقرن قادم ، ومع اقتراب اللقاء المرتقب بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والمسؤولين الدنماركيين الأسبوع المقبل، يترقب العالم ما إذا كانت "دبلوماسية الصفقات" ستنجح في ترويض القطب الشمالي، أم أننا أمام أزمة جيوسياسية قد تعيد تعريف التحالفات الدولية بالكامل.
الأوروبيون عاجزون ووحيدون
وفي ذات السياق، كتب موقع "تاغسشاو" التابع للقناة الألمانية الأولى معلقا "بفضل قاعدتهم العسكرية في بيتوفيك شمال غرب الجزيرة، يتواجد الأمريكيون فعليا في جرينلاند، ومن غير المرجح أن تقوم القوات الأمريكية غدًا باجتياح المنطقة بأعداد كبيرة من الجنود، لكن بعد تجربة فنزويلا ، وفي ظل التهديدات المتجددة للبيت الأبيض، لم يعد السيناريو الأسوأ مستبعدًا تمامًا".
وأضاف الموقع أن "الولايات المتحدة تتفوق عسكرياً على الدنمارك تفوقًا ساحقًا، ولن يكون بمقدور الأخيرة أن تفعل أي شيء حيال ذلك"، معتبرا أن "الجدل حول جرينلاند يُظهر مرةً أخرى أن الأوروبيين لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الولايات المتحدة، التي كانت بعد الحرب العالمية الثانية أهم ضمانة لأمنهم، وفي ظل هذا النظام العالمي الجديد، يجدون أنفسهم عاجزين ووحيدين إلى حدٍّ كبير".
من ناحيتها ، علّقت صحيفة "داغينس نيهتر" السويدية قائلة "إن ضم أمريكا لغرينلاند سيغير كل شيء حتى بالنسبة للسويد، لن تكون الولايات المتحدة بعد ذلك حليفنا".
وتابعت أن " السؤال الذي علينا طرحه ليس ما إذا كان هذا يمكن أن يحدث ، ولكن ما الذي سنفعله إذا قررت واشنطن ضم الجزيرة، هل سيتم تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الناتو؟ هل سنذهب إلى الحرب ضد أقوى قوة عسكرية في العالم؟ هل ينبغي أن نفرض عقوبات على الولايات المتحدة ونطالب قواتها بالانسحاب من القارة؟ ما هي العواقب الأمنية لذلك؟ كل سؤال جديد يثير المزيد من الأسئلة".

