السياسية - وكالات:


كشفتِ المسيرات والتظاهرات المليونية التي شهدتها المحافظات الإيرانية، عن الموقف الحقيقي والصلب للشعب الإيراني الرافض لأعمال الشغب والتخريب التي استهدفت الأرواح والممتلكات العامة والخاصة والأماكن الدينية، خدمة لأجندة خارجية معادية. كما أكدت وقوف الإيرانيين ودعمهم للنظام ومؤسساته في مواجهة أي مسار يستهدف هذا البلد العريق الذي يواجه مؤامرات قوى الاستكبار والطغيان العالمي.

ملايين الإيرانيين خرجوا أول أمس الاثنين إلى الشوارع والساحات العامّة في مختلف المحافظات، للتعبير عن تنديدهم ورفضهم لأعمال الشغب التي شهدتها البلاد خلال الأيام الأخيرة، ولرفض التدخّلات الخارجية في شؤونهم الداخلية.




تظاهرات أفشلت رهانات الأعداء


وأثبتت التظاهرات المليونية الإيرانية فشل رهانات أعداء إيران لاسيما الرهانات الأمريكية الصهيونية، في مشهد مهيب أكد وقوف الشعب الإيراني في كل المحافظات إلى جانب قيادته وحكومته في مواجهة مثيري الشغب المدعومين من أمريكا والكيان الصهيوني، والذين حرفوا مسار المطالب المحقة للإيرانيين إلى فوضى عارمة كان هدفها إسقاط هذا البلد الإسلامي في براثن التمزق والتشتت والخراب.

المتظاهرون شددوا أيضاً على تمسكهم بالنظام الإسلامي ودعمهم لمؤسسات الدولة، موجهين رسائل حازمة برفض الإرهاب وأي تدخل خارجي في الشأن الإيراني، ومؤكدين أن الشارع الإيراني يعي ويدرك طبيعة ما يجري ويقف موحدًا في مواجهة هذه التحديات.


شغب بإدارة أمريكية صهيونية


وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن “أعمال الشغب تُدار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بهدف زعزعة أمن واستقرار إيران”.

وسخر بزشكيان في تصريح للتلفزيون الإيراني، من المزاعم الأمريكية والصهيونية التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، مشيراً إلى أنّ "من يرتكب الجرائم في غزة ولبنان يزعم أنه يدافع عن حقوق الإنسان في إيران".

وقال: “أبناء البلاد يحتجّون ويعترضون لكنهم لا يضرمون النار بالأسواق ولا يرتكبون الجرائم”، مؤكداً أن الحكومة “عازمة على مواصلة اصلاحاتها الاقتصادية وتميّز بين الاحتجاجات المحقة وأعمال الشغب”.

وأوضح الرئيس الإيراني أن “بعض العناصر الإرهابية دخلت من خارج البلاد”، مضيفاً أن “هناك عدداً من العناصر المدربة في الداخل وعدداً آخر من الإرهابيين أُحضروا من الخارج للقيام بأعمال تخريبية”.


موقف شعبي صلب ضد التخريب


وإزاء الأعمال التخريبية والإجرامية لمثيري الشعب، والتي أدت لاستشهاد عدد من أفراد القوى الأمنية والمتظاهرين أصحاب المطالب الحقة، لم يقف الشعب الإيراني صامتاً أو محايداً، بل خرج إلى الشوارع والساحات للتعبير عن رفضه لتلك الأعمال الهادفة لإغراق البلاد في فوضى عارمة.

ويقول الباحث في الشأن الإيراني، أحمد فاروق، في حديثه لموقع "الميادين نت" ، إن المسيرات المليونية المؤيّدة لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، أثبتت أنّ النظام يتمتّع بدعم شعبي هائل في وجه الاحتجاجات التي هدفت سواء إلى الإطاحة بالنظام، أو إجراء تغيير جذري في شكل الحكومة وتركيبتها.

فيما يؤكد الباحث السياسي والأستاذ الجامعي، محمد شمص، في حديث مماثل، أنّ “المسيرات المليونية أبطلت، بشكل ملحوظ، الاحتجاجات وأعمال الشغب التي حاول الواقفون خلفها اختزال موقف الشعب الإيراني بها”، غير أنه يرى أن احتمال بأن يدفع الدعم والتحريض الخارجيان، والتهديدات الأمريكية لطهران، بمثيري الشغب مرة أخرى إلى الشارع، لا يزال قائماً.

ويشير شمص إلى أن مشهد التظاهرات والمسيرات المليونية، أكّد صلابة كلّ من الحكومة والنظام القائمين في إيران، خاصة وأنّ تلك المسيرات جاءت بعد كلمة قائد الثورة الإيرانية السيد علي الخامنئي، والتي ميّز فيها بين المحتجين المحقّين، ومثيري الشغب.


رسالة السيد الخامنئي وأبعادها

في خضم هذا المشهد، جاءت رسالة السيد الخامنئي عقب المسيرات المليونية لتمنحها معناها السياسي العميق، وتحوّلها من حدثٍ ميداني إلى عنوانٍ استراتيجي في خطاب الدولة، حيث أشاد السيد الخامنئي بما وصفه "عملاً عظيماً" أنجزه الشعب الإيراني، مؤكداً أن هذه الحشود الغفيرة "سطّرت يوماً تاريخياً" وأبطلت مخططات الأعداء الأجانب التي كان من المقرر تنفيذها على أيدي المرتزقة في الداخل.

وفي رسالته، بدا واضحاً أن القيادة الإيرانية تقرأ التجمعات باعتبارها فعلاً دفاعياً عن الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، لا مجرد تظاهرات عاطفية أو ظرفية، إذ اعتبر أن الشعب استعرض ذاته وعزيمته وهويته في وجه الأعداء، موجّهاً تحذيراً مباشراً لساسة أمريكا كي يضعوا حدّاً لما أسماه "الخداع"، وألا يراهنوا على "المرتزقة الخونة".

وبحسب موقع "الخنادق" فإن لغة السيد الخامنئي جاءت مركّزة على مفاهيم القوة والوعي والحضور الدائم، حين شدّد على أن الشعب الإيراني "قوي ومقتدر، واعٍ ويعرف عدوه، وحاضر في الساحة في كل حال".

وهذه العبارات تعكس ثنائية أساسية في الخطاب الإيراني: أولها أن الصراع لا يُختزل في مواجهة أمنية مع مجموعات عنف داخلية، بل يرتبط بمواجهة سياسية مع الخارج، وثانيها أن الضمانة الأهم لاستمرار الدولة ليست فقط الأجهزة والمؤسسات، بل الشعب الذي يُستدعى في لحظات الأزمة ليقدّم "شهادة حضور" تعزز شرعية النظام وتماسكه.


إلى جانب رسالة قائد الثورة، وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة مطوّلة للشعب عقب هذه التظاهرات المليونية، واضعًا الحشود في إطار "رد ساحق" على مخططات الأعداء الخبيثة.

وحرص بزشكيان على مخاطبة الإيرانيين بلغة وجدانية تحمل التقدير والفخر، حين قال: "يا شعب إيران العظيم والنبيل، أحيّي عظمة إرادتكم القوية وحضوركم الثابت"، مؤكداً أن التجمع المهيب أظهر يقظة ومسؤولية غير مسبوقتين في حماية المُثل الدينية والوطنية وإظهار القوة الوطنية في مواجهة "العدو الظالم والإرهابيين التابعين له".

بهذا المعنى، قدّم الرئيس بزشكيان المسيرات باعتبارها تعبيرًا عن هوية وطنية جامعة لا مجرد اصطفاف سياسي.


تعاطي الغرب مع التظاهرات


ولمعرفة تعاطي الغرب، الداعم للاحتجاجات، مع المشهد المؤيّد للحكومة والنظام الإيراني، يؤكد الباحث السياسي، شمص، أنّ العالم الغربي صبّ جهده على التعتيم على هذا المشهد وتجاهله، محاولاً الاستمرار في تسليط الضوء على الاحتجاجات وأعمال الشغب التي ألمّت بالبلاد خلال الأسبوعين الأخيرين، وهو ما تؤكّده تصريحات لرؤساء عدد من الدول الغربية أو الأنظمة المتحالفة معها والمعادية لإيران.

ورغم كل ذلك، أُصيب الغرب بخيبة أمل جديدة، حيث إنّ مخطّطه، الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي، لإضعاف النظام الإيراني من الدخل، يواجه فشلاً ذريعا، بحسب شمص.


معركة إرادات


وتكشف رسائل السيد الخامنئي الرئيس بزشكيان، إلى جانب مشهد الشارع، أن إيران تتعامل مع ما جرى بوصفه معركة إرادات: إرادة تهدف إلى تثبيت النظام وتحصين الدولة من الداخل، في مواجهة إرادة أخرى تسعى لإحداث شرخ مجتمعي وأمني عبر بوابة الاضطرابات، بحسب موقع "الخنادق".

وبينما يقرأ خصوم طهران أي احتجاج داخلي بوصفه فرصة لإضعافها، يؤكد الشعب الإيراني وقوفه بقوة ضد أعمال التخريب والشغب والفوضى، ويؤكد أيضاً على الصمود واستعادة المبادرة.

وفي ظل توتر داخلي وإقليمي متصاعد، تبدو هذه المسيرات، ورسائل السيد الخامنئي والرئيس بزشكيان، كأنها إعلان سياسي مزدوج: أولًا، أن الشارع حاضر في معادلة القوة، وثانيًا، أن الدولة تريد إغلاق الباب أمام أي رهان خارجي على تفكيك الداخل الإيراني وإدخال البلاد في فوضى عارمة.