السياسية - تقرير - نجيب هبة:

كيف تحوّل ما يسمى بـ "مجلس السلام" من هدفه السابق المتعلق بالإشراف على تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والإشراف على إعادة اعمارها، إلى مجلس منافس للأمم المتحدة؟

بل ربما يريد ترامب أن يكون هذا المجلس بديلا للمنظمة الدولية ويسهم في فرض سيطرته على العالم، وهو ما أثار غضب دول حليفة للولايات المتحدة.

ليس غريبا أن يأتي الإعلان عن مجلس السلام في وقت تعلن واشنطن انسحابها من عدد كبير من المنظمات الدولية، ومنها منظمات تابعة للأمم المتحدة.

ويبدو أن ترامب، الذي لا يكترث للنظام والقانون الدولي وسبق أن أعلن أن القانون الدولي لا يعني له شيئا، يسعى إلى فرض قوانينه الخاصة ، التي لا يمكن تسميتها قوانين، والتي تقوم على منطق القوة وفرض رغباته وإملاءاته وتحقيق مصالحه من خلال القوة والقوة فقط.

الرئيس الأمريكي منذ بدء ولايته الثانية عمل جاهدا على خلط أوراق كثيرة في النظام الدولي وتحدث عن تطلعه لتنفيذ خطوات استعمارية، يُنظر إليها كثيرا بأنها غير منطقية وخارجة عن منطق العقل، حتى أن بعض المحللين السياسيين والمسؤولين وقفوا حائرين أمام مطالب ترامب، فيما وصفه بعضهم ب"المجنون".

وفي هذا السياق، جاء العدوان الأمريكي على فنزويلا، وكذلك إعلان ترامب رغبته في السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، كما صبّت المحاولات الأمريكية والصهيونية باتجاه خلق الفتنة والفوضى في إيران في ذات الاتجاه.

وتم توقيع ميثاق ما سمي بـ"مجلس السلام" في بلدة دافوس بسويسرا، الخميس ، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور ترامب وعدد من قادة وممثلي الدول الأعضاء.

ودعا ترامب الذي سيرأس المجلس، العشرات من قادة العالم الآخرين للانضمام إليه، وزعم أن هذا المجلس سيعالج تحديات عالمية أخرى غير وقف إطلاق النار الهش في غزة، رغم أنه يقول إنه لا ينوي أن يكون بديلا للأمم المتحدة.

وامتنع بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديين عن الانضمام إلى المجلس، الذي يقول ترامب إن على الأعضاء الدائمين فيه أن يساعدوا في تمويله بدفع مليار دولار لكل منهم، إما بالاستجابة بحذر أو رفض الدعوة.



رفض دولي

وباستثناء الولايات المتحدة، لم تلتزم أي دولة أخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالانضمام إلى المجلس.

وقالت روسيا إنها تدرس الاقتراح بعد أن قال ترامب إنها ستنضم ، ولم تذكر الصين بعد ما إذا كانت ستنضم أم لا.

وتمت الموافقة على إنشاء المجلس بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إطار خطة ترامب للسلام في غزة.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، رولاندو جوميز ، إن مشاركة الأمم المتحدة مع المجلس ستكون في هذا السياق فقط.

وأعلنت فرنسا، رفضها الانضمام إلى المجلس، لعدم توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة وقرارها بشأن قطاع غزة.

وقال متحدث باسم الخارجية الفرنسية، إن بلاده لن تنضم إلى "مجلس السلام" الذي شكّله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الوقت الحالي، بحسب موقع "الميادين نت".

ولفت المتحدث إلى أن ميثاق مجلس السلام "لا يتوافق مع ‌قرار ‌الأمم المتحدة بشأن غزة"، وإن ‌بعض بنوده ‌"تتعارض مع ميثاق الأمم ‌المتحدة".

وعلى غرار باريس، كانت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر ، قد نفت توقيع بلادها على ميثاق "مجلس السلام"، مرجعةً ذلك إلى مخاوف تتعلق بمشاركة روسيا المحتملة في المبادرة.

من جهته، قال رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، في ختام قمة المجلس في بروكسل، إن لدى قادة الاتحاد الأوروبي شكوكا جدية بشأن ميثاق "مجلس السلام" ، مشيرا إلى أن عدداً من عناصر الميثاق تطرح تساؤلات حول نطاق عمل المجلس وإدارته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة.

ولا يحصر ميثاق "مجلس السلام" دوره في الأراضي الفلسطينية، ويبدو أنه يتطلع للعب دور أوسع قد ينافس الأمم المتحدة.

وإلى جانب تحفظات الاتحاد الأوروبي، أعلنت إسبانيا رفضها المشاركة في المجلس، بحسب ما أكده رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، للصحافيين.

وجاء في الميثاق أن "مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها".

كما ينتقد النص المؤلف من ثماني صفحات "النهج والمؤسسات التي فشلت مراراً"، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، داعياً إلى التحلي بـ"الشجاعة" من أجل "الابتعاد" عنها، ومشدداً على "الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفاعلية".



ردود فعل رافضة

وحذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش، الجمعة، من محاولات يقودها الرئيس الأمريكي لاستبدال منظمة الأمم المتحدة بما يُسمّى "مجلس السلام"، في خطوة لا يتضمن ميثاقها أي إشارة إلى حقوق الإنسان.

وقالت المنظمة، في تدوينتين على منصة "إكس"، رصدتهما وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، إن ترامب "يحاول على ما يبدو استبدال الأمم المتحدة بما يسمى مجلس السلام، دون أي التزام واضح بحماية حقوق الإنسان".

ومن جانبها، قالت منظمة العفو الدولية، إن مراسم الخميس، التي أعلن فيها تأسيس ما يُسمى بـ"مجلس السلام" العالمي تمثل تجاهلًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وتُعد تصعيدًا خطيرًا جديدًا في الهجوم على منظومة الأمم المتحدة وآلياتها ومؤسسات العدالة الدولية والمعايير العالمية.

وأضافت المنظمة في تدوينة على منصة "إكس"، رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن المجلس، الذي شُكّل بتوجيه من رئيسه المرتقب دونالد ترامب، ويضم حلفاء للولايات المتحدة من بينهم رؤساء دول دعاهم بنفسه، يتعارض جوهريًا مع النظام القانوني الدولي الذي يقوم عليه النظام العالمي.

ووصفت الإعلان بأنه صفعة لعقود من الجهود الرامية لتعزيز الحوكمة العالمية عبر الالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة، وتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الدول الأعضاء، مشيرةً إلى أنه يقوّض المساعي المشروعة لمعالجة أوجه القصور والثغرات في النظام الدولي الحالي.

وفي السياق، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من تجاهل قادة العالم للقانون الدولي، معتبراً أن ذلك يقوض النظام العالمي.

وقال غوتيريش ،في تدوينة على "اكس"، رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "عندما يتجاهل القادة القانون الدولي ويختارون القواعد التي يتبعونها فإنهم بذلك يقوضون النظام العالمي ويضعون سابقة خطيرة".

وأضاف أن "ميثاق الأمم المتحدة هو أساس العلاقات الدولية والركيزة الأساسية للسلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان".



تفكيك النظام العالمي

ورأت صحيفة (نيويورك تايمز)، في تحليل لها، أن مبادرة "مجلس السلام في غزة" ليست مجرد مسعى لحل صراع إقليمي، بل هي مثال حي على سعي الرئيس الأمريكي لتفكيك النظام العالمي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية.

ووفقا للتحليل، فإن هذا المجلس بمهامه الواسعة ورئاسته الطويلة الممنوحة لترامب، يمثل محاولة جادة لبناء مؤسسة دولية موازية تهدف إلى ترسيخ "الهيمنة الأمريكية" برؤية ترامب الخاصة.

ورأت الصحيفة أن الرسائل المبهمة التي أطلقها البيت الأبيض بشأن طبيعة المجلس وأدواره المستقبلية قد زادت من حالة الارتباك الدولي، مما يشير إلى رغبة البيت الأبيض استبدال نظام جديد، يقع ترامب في قلبه، بالمؤسسات الدولية التقليدية.



غزة نقطة انطلاق لمشروع سياسي دولي

ويرى محللون سياسيون أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيل "مجلس السلام" يتجاوز كونه مبادرة لمرحلة ما بعد الإبادة التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي بقطاع غزة ودعمتها واشنطن سياسيا وعسكريا واستخباراتيا.

ويعتقد هؤلاء أن هذا المجلس يشكل خطوة لإعادة تشكيل النظام الدولي عبر أطر بديلة عن منظومة الأمم المتحدة، بقيادة أمريكية مباشرة.

من جهتها، تساءلت الأوساط السياسية والأكاديمية الفلسطينية، حول طبيعة المجلس وصلاحياته وأهدافه، وما إذا كان إطارا مؤقتا لمعالجة الأوضاع الإنسانية والأمنية، أم أداة سياسية لإعادة تعريف إدارة النزاعات عالميا.

ويجمع خبراء فلسطينيون في تصريحات لوكالة الأناضول، على أن توقيت الإعلان، وطبيعة الوثائق المتداولة، وتركيبة المجلس المقترحة، والسياق الدولي، تشير إلى أن غزة قد تكون نقطة انطلاق أو ساحة اختبار لمشروع سياسي دولي تقوده الولايات المتحدة.

ويهدف هذا المشروع إلى تقويض دور الأمم المتحدة، وإعادة إدماج الكيان الإسرائيلي في النظامين الإقليمي والدولي، وحمايته من المساءلة القانونية على خلفية حرب الإبادة التي ارتكبها بحق الفلسطينيين، وفق الخبراء.

ويحذرون من حصر المجلس في إطار تقني أو إنساني، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمس مستقبل غزة، والقضية الفلسطينية، وشكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب.



مجلس بلا هوية

بدوره، يعرب الكاتب والخبير السياسي، أحمد أبو الهيجاء، عن شكوكه من وضوح الرؤية الكامنة خلف تشكيل المجلس، معتبرا أن الغموض يحيط به منذ لحظة الإعلان.

ويقول لوكالة الأناضول التركية، إن المشهد الحالي "يعكس خليطا من كل شيء، وإن ترامب لا يبدو أنه يمتلك تصورا مكتملا لبعض القضايا التي يطرحها".

ويوضح أن الإعلان عن المجلس فاجأ دولا اعتقدت في البداية أنه سيكون محدود العضوية والمهام، وربما مقتصرا على غزة، قبل أن يتضح أنه مفتوح أمام دول من مختلف أنحاء العالم.

ويحذر الكاتب الفلسطيني من أن "هذا التوسع قد يفقده الفاعلية".

ويشير إلى أن التجارب السياسية أظهرت أن الأجسام الدولية الواسعة غالبا ما تتحول إلى أطر شكلية تُدار فعليا من قبل عدد محدود من الدول المؤثرة.

ويلفت إلى أن طرح عدة أطر لإدارة غزة في وقت واحد يعكس حالة تخبط، متسائلا عن جدوى إضافة مجلس جديد يعمل خارج إطار الأمم المتحدة.

ويلفت أن إلى الانفراد الأمريكي بإدارة الملف يثير الريبة لدى الفلسطينيين، وحتى داخل الكيان الإسرائيلي، في ظل تقلب مواقف ترامب.

من ناحيته، يعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الفلسطينية، رائد نعيرات ، أن المجلس يمثل محاولة أمريكية لتجاوز المنظومة الدولية القائمة، وليس مجرد إطار لمعالجة ملف غزة.

ويقول لوكالة الأناضول، إن ما يجري تداوله بشأن وثيقة المجلس يدل على أن الطرح يتجاوز القضية الفلسطينية، في ظل حديث متزايد عن إعادة بناء أو إعادة هيكلة النظام الدولي.

ويوضح نعيرات أن التداخل بين ما يعكس سياسة أمريكية مؤسسية وما يرتبط بعقلية ترامب الشخصية يزيد من حالة عدم اليقين، مشككا في فرص نجاح مجلس السلام، حتى في مهمته الأولى المتعلقة بغزة، في ظل التعقيدات السياسية والميدانية وغياب القبول الدولي الواسع.