عيدروس… عميل آخر على شاكلة عفاش
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يعيش عيدروس الزبيدي اليوم نفس المرحلة التي عاشها عفاش عقب إخراجه من السلطة مكرهًا بموجب المبادرة الخليجية التي أُجبر على توقيعها من قبل النظام السعودي، وهو النظام نفسه الذي دحر عيدروس ومجلسه الانتقالي من الجنوب بعد أيام قليلة من إحكام قبضته على حضرموت والمهرة.
إلا أن التشابه يمتد أيضًا ليشمل حتى التفاصيل الصغيرة في مسارهم السياسي، فالأول وصل إلى السلطة مكافأةً له على دوره في خيانة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، والآخر مقابل دور مماثل مع سلفه في محافظة عدن، القيادي الجنوبي جعفر محمد سعد، والذي شارك في اغتياله بتوجيهاتٍ إماراتية، حسب التسريبات السعودية الأخيرة عن الحادثة.
وبالنسبة للرياض، فإنها ترى نفسها الوصي على اليمن منذ مؤتمر حرض سنة 1965، وترى في الوحدة اليمنية وسيلة لتفعيل الوصاية على كامل التراب اليمني بعد أن اقتصرت فقط على الشمال قبل مايو 1990، ولولا خيانة الجمهوريين الأوائل ما انتقل اليمن من الوصاية المصرية إلى الوصاية السعودية، ولما انتقل اليمن الشمالي من حكم ملكي ذاتي إلى حكم ملكي آخر يحكم البلاد بالوكالة، وعن طريق الخونة تشرف على عملهم لجنة خاصة أنشأتها الرياض لحكم اليمن.
وبالعودة إلى عفاش وعيدروس، فينطبق على الأخير ما قاله الأول: "ما في عميل يرجع زعيم"، فمن جاء إلى السلطة عبر بوابة العمالة فسيخرج حتمًا من البوابة نفسها، وكما ساق آل سعود عفاش لتوقيع المبادرة الخليجية والخروج قسرًا من السلطة، فقد فعلوا الأمر نفسه مع الزبيدي، وما كان للنظام أن يفعل كل ذلك لولا علمه بعمالتهم وإحرازه لوثائق ومستندات من شأنها فضحهم أمام الجماهير التي اغترت بهم في يوم من الأيام.
والأغرب أن التشابه بين العميلين يتكرر حتى في خيانة طارق عفاش لهما، فكما باع الأول بعد أن أغرقه في جحيم الخيانة، باع الآخر بعد أن دعم موقفه الانفصالي ووقف إلى جانبه لتمديد الوصاية الإماراتية على الجنوب، ولكنه فر من عمه إلى الإمارات، ومن الزبيدي إلى السعودية، في تجسيد لأنذل أشكال العمالة التي نشأ وترعرع عليها في منزل عمه الشهير بخيانته للرفاق منذ نعومة أظافره.
ورغم أن الطرفين ظلا يكرران عداءهما لأنصار الله لتبرئة ساحتيهما أمام المشروع الصهيوني طمعًا في البقاء في السلطة، إلا أن النهاية كانت على يد الجماعة نفسها التي لم يحسبا لها هذا الحساب من الغدر والدهاء، فقد تحالف الطرفان مع حزب الإصلاح بتوجيهاتٍ غربية، وكان في ذلك التحالف السقوط الكبير من السلطة، ومخطئ من يظن أنه سيفوق حزب الإصلاح في العمالة والخيانة وبيع البلاد للخارج.
ولا يتوقف هذا المسار العبثي عند حدود السقوط السياسي، بل يتعداه إلى التحول إلى أدواتٍ مستهلكة في صراع الوكلاء، حيث يفقد العميل آخر أوراقه بمجرد انتهاء صلاحيته الوظيفية، فيُستبدل بغيره دون تردد أو اكتراث. فالنظام السعودي والإماراتي لا ينظران إلى أمثال عفاش والزبيدي إلا كأدوات مرحلية تُستخدم عند الحاجة وتُرمى عند أول تعارض في المصالح، وهو ما يفسر حالة الارتباك والانكشاف التي يعيشها عيدروس اليوم، بعد أن أدرك متأخرًا أن الولاء للخارج لا يصنع زعامة، وأن من يراهن على المحتل سيخسر الأرض والشرعية معًا، ولن يجد في النهاية سوى العزلة والخذلان، تمامًا كما انتهى سلفه الذي ظن يومًا أن العمالة يمكن أن تكون طريقًا دائمًا للحكم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

