الحرب على إيران تعصف بالداخل الأمريكي.. انقسام بالكونغرس واتهامات بالتعتيم على الخسائر
السياسية - وكالات:
تتسع دائرة التداعيات الداخلية للحرب الأمريكية ضد إيران، فيما يتحوّل الشارع الأمريكي وساحة الكابيتول إلى مسرح لصراع سياسي وإعلامي غير مسبوق، إذ يواجه البيت الأبيض موجة من الاتهامات بالتعتيم على حجم الخسائر البشرية للقوات الأمريكية، وسط تضارب في الأرقام الرسمية وغير الرسمية للخسائر من قتلى وجرحى.
واندلعت شرارة الجدل من جديد، بعدما كشفت تقارير إعلامية ومصادر برلمانية عن فجوة كبيرة بين البيانات الرسمية لوزارة الحرب (البنتاغون) وتقديرات أخرى صادرة عن لجان رقابية في الكونغرس، ما أذكى مخاوف من "تزوير مقصود" لأرقام الخسائر بهدف تخفيف الضغط الشعبي المتصاعد ضد استمرار العمليات العسكرية.
وبدأت شرارة الأزمة الثلاثاء والأربعاء 21-22 يوليو ؛ إذ اندلع الجدل عقب تصريحات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قارن فيها خسائر حربه ضد إيران (18 قتيلاً) بالحروب السابقة. تزامن ذلك مع جلسة استماع عاصفة لوزير الحرب بيت هيغسيث أمام الكونغرس لطلب تمويل إضافي للحرب.
وفي الأربعاء 22 يوليو تصاعدت حدة الجدل عقب إعلان البنتاغون عن إصابة نحو 100 جندي في الهجمات الأخيرة، ووصول جثامين 4 عسكريين إلى قاعدة دوفر الجوية، مما أثار تساؤلات نيابية وشعبية حول الحجم الحقيقي للخسائر.
اليوم الجمعة 24 يوليو، تواصلت التداعيات الميدانية والسياسية لهذا الجدل مع دخول الضربات الجوية الأمريكية ليلتها الـ13 على التوالي دون تحقيق أي أهداف، فيما أرقام صفحات الخسائر مازالت مطوية، وفي المقابل تتوالى الضربات الصاروخية وبالطيران المسيّر الإيراني على كافة القواعد الأمريكية في المنطقة.
وفي الموازاة، يعيش الكونغرس حالة انقسام حادة، حيث يتبادل الديمقراطيون والجمهوريون الاتهامات بشأن "الشرعية الدستورية" للحرب، فيما تتصاعد دعوات من كلا الحزبين لعقد جلسات استماع علنية طارئة لكشف "الحقيقة الكاملة" عن الأهداف العسكرية والخسائر الفعلية، وسط تحذيرات من أن استمرار الغموض يُفاقم أزمة الثقة بين الإدارة والرأي العام.
تعتيم للخسائر البشرية
وفي خضم الجدل المتصاعد حول الخسائر البشرية للحرب، تتهم جهات معارضة داخل الولايات المتحدة إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتعمد في إخفاء العدد الحقيقي للقتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية، عبر الاكتفاء بإعلان أرقام محدودة لا تعكس حجم الخسائر الفعلية على الأرض.
إيرانيا؛ أتهم الحرس الثوري الإيراني، في بيان صدر اليوم الجمعة، الإدارة الأمريكية بإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر التي تكبدتها قواتها خلال الحرب الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية، مؤكداً أن واشنطن لا تكشف للرأي العام سوى جزء محدود من حصيلة القتلى والمصابين.
وأوضح الحرس الثوري أن الولايات المتحدة "تكبدت مئات القتلى وأعداداً أكبر من الجرحى خلال الحرب العدوانية الإجرامية الأخيرة"، مشيراً إلى أن عمليات الإجلاء الطبي اليومية عبر طائرات الإسعاف إلى المستشفى العسكري الأمريكي في ألمانيا تكشف عن حجم خسائر يفوق بكثير ما تعلنه الإدارة الأمريكية، التي تؤكد رسمياً أن عدد قتلاها لا يتجاوز 20 عسكرياً.
وأضاف البيان أن الرواية الرسمية الأمريكية لا تعكس حقيقة ما جرى في الميدان، داعياً وسائل الإعلام الأمريكية والغربية إلى فتح تحقيقات مستقلة بشأن ما وصفه بـ"الحقائق المخفية"، والكشف عن أعداد القتلى والجرحى، وحجم الأضرار التي لحقت بالقوات الأمريكية، والتكاليف المالية للحرب، وآليات الرقابة التي تحكم نشر المعلومات العسكرية، مؤكداً أن من حق الشعب الأمريكي الاطلاع على حقيقة ما جرى.
خلافات سياسية
وفي تطور يعكس اتساع الخلافات داخل المؤسسات الأمريكية، صوّت مجلس النواب الأمريكي لصالح مشروع قرار يطالب الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من الأعمال القتالية ضد إيران، في خطوة وصفها مراقبون بأنها انتكاسة سياسية جديدة للإدارة الأمريكية.
وحصل مشروع القرار على تأييد 214 نائباً مقابل 208 أصوات، بعد انضمام أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين، مستنداً إلى قانون صلاحيات الحرب الذي يمنع استمرار العمليات العسكرية دون تفويض من الكونغرس.
وجاء التصويت في ظل تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة لطريقة إدارة الحرب، بعد مقتل أربعة عسكريين أمريكيين مؤخراً في الشرق الأوسط، وسط مخاوف متزايدة من استمرار النزاع دون استراتيجية واضحة لإنهائه.
وفي المقابل، أفادت وكالة رويترز بأن مجلس الشيوخ الأمريكي عرقل مشروع قرار مماثلاً تقدم به أعضاء من الحزب الديمقراطي، كان يهدف إلى وقف الحرب إلى حين حصول الإدارة الأمريكية على تفويض رسمي من الكونغرس.
وبحسب الوكالة، سقط مشروع القرار بعد تصويت 49 عضواً ضده مقابل 47 مؤيداً، في أحدث جولة من الصراع السياسي بين الديمقراطيين وإدارة ترامب حول صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية ضد إيران، حيث يتمسك الديمقراطيون بقانون صلاحيات الحرب لعام 1973، بينما تؤكد الإدارة أن للرئيس صلاحيات دستورية لإدارة العمليات العسكرية.
وفي الوقت ذاته، حضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاربعاء الماضي مراسم الاستقبال الرسمي لجثامين العسكريين الأمريكيين الذين قُتلوا خلال العدوان على إيران، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مقتل أربعة جنود خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينهم ثلاثة في قاعدة عسكرية بالأردن وآخر في شمال العراق.
غير أن ملف الخسائر العسكرية عاد ليثير جدلاً واسعاً بعد أن كشفت صحيفة (نيويورك تايمز)، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين عسكريين، أن البنتاغون خفّض عدد القتلى المنشور على موقعه الإلكتروني من 18 إلى 14 جندياً، موضحة أن الإدارة قررت حذف أسماء أربعة جنود باعتبار أنهم لقوا مصرعهم بعد إعلان الرئيس ترامب وقف إطلاق النار، وهو ما أثار تساؤلات حول آلية احتساب الخسائر العسكرية.
وفي سياق متصل، كشفت وكالة أسوشيتد برس في وقت سابق، استناداً إلى بيانات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أن عدد قتلى الجيش الأمريكي خلال الحرب ارتفع إلى 16 عسكرياً، في مؤشر على تصاعد الكلفة البشرية للمواجهة العسكرية مع إيران، موضحة أن القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط أصبحت أهدافاً مباشرة للهجمات الإيرانية، رغم اعتماد الحرب بصورة كبيرة على الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، مشيرة إلى أن طبيعة الحرب الحديثة لم تقلل من المخاطر التي تواجه القوات الأمريكية.
ووفقاً للوكالة، بدأت الخسائر منذ وقت مبكر من الحرب، عندما استهدفت طائرة مسيّرة إيرانية ميناءً مدنياً في الكويت في 28 فبراير، ما أدى إلى مقتل ستة جنود أمريكيين من وحدة لوجستية تابعة لولاية أيوا.
وفي الأول من مارس، أصيب جندي أمريكي في هجوم استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، قبل أن يتوفى متأثراً بجراحه بعد أكثر من أسبوع.
كما شهد شهر مارس مقتل ستة عسكريين آخرين إثر تحطم طائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135 داخل الأجواء العراقية أثناء مشاركتها في دعم العمليات العسكرية ضد إيران، بينما أعلنت البحرية الأمريكية لاحقاً وفاة أحد طياريها إثر تحطم مروحية في بحر العرب خلال يوليو الجاري، مؤكدة أن الحادث لم يكن نتيجة عمل عدائي.
وفي أحدث التطورات، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية مقتل جنديين أمريكيين في الأردن، لتتواصل بذلك الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية المنتشرة بالمنطقة.
غضب شعبي
من جانب آخر، تصاعدت موجة الغضب داخل الولايات المتحدة عقب الإعلان عن مقتل الجنود الأمريكيين في الأردن، حيث شهدت منصات التواصل الاجتماعي حملة واسعة تنتقد استمرار الحرب، وتحمّل الإدارة الأمريكية مسؤولية الزج بالجنود في صراع لا يخدم المصالح الأمريكية.
واتفق العديد من الصحفيين والناشطين الأمريكيين إن الجنود "يموتون من أجل إسرائيل"، مطالبين بإنهاء الحرب وإعادة القوات الأمريكية إلى بلادهم، فيما اتهم آخرون الإدارة الأمريكية بإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر البشرية والمالية، معتبرين أن الشباب الأمريكي يدفع ثمن سياسات خارجية لا تحظى بإجماع داخلي.
كما أدى مقتل الجنود في صفوف القوات الأمريكية إلى إعادة إثارة التساؤلات حول سلامة القوات الأمريكية في القواعد الموجودة في الشرق الأوسط، حيث لم يتم تصميم هذه المنشآت بشكل عام لتحمل الضربات الانتقامية، لأنه خلال الحروب السابقة في العراق وأفغانستان، دار القتال داخل هذين البلدين وليس في المنشآت الإقليمية التي تدعم العمليات القتالية.
وقبل بدء الحرب، قام البنتاجون بنقل العديد من قواته من القواعد الكبيرة تحسبًا لرد طهران على تلك المنشآت. إلا أن رد إيران كان أوسع من ذلك، حيث استهدفت المنشآت الكبيرة والصغيرة، وهددت بضرب أي دولة تدعم العمليات الحربية الأمريكية.. في دلالة على قوة الردع الإيراني.
ونقلت صحيفة (واشنطن بوست) عن جندي سبق له أن تم نشره في قاعدة موفق السلطي الجوية الأردنية إن العديد من المباني هناك كانت عبارة عن مقطورات معدنية وخيام رقيقة الجدران غير قادرة على تحمل هجمات الصواريخ أو قذائف الهاون أو الطائرات بدون طيار.
لكن حتى الإنشاءات الأحدث في بعض القواعد في المنطقة، والتي تشمل الآن طبقات من الجدران السميكة، لا يمكنها الحماية من ضربة مباشرة من صاروخ باليستي، كما قال الجندي.
إنكار ترامب
على عكس المخاوف والرفض التي تشير إليها استطلاعات الرأي في البلاد، أدعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء الماضي، أن الشعب الأمريكي لا يعارض الحرب الجارية، معتبرًا أن المخاوف الشعبية تتركز في المقام الأول على ارتفاع أسعار الوقود والغاز، وليس على الحملة العسكرية ذاتها.
في مقابل إدعاء الرئيس الأمريكي، كشف استطلاع مشترك أجرته صحيفة واشنطن بوست ومؤسسة "إيبسوس" الأسبوع الماضي، أن 68% من الأمريكيين يراقبون الحرب باعتبارها "لا تستحق القتال"، مقابل 28% فقط يرونها مستحقة، وهو الفارق السلبي الأعلى مقارنة باستطلاعات سابقة حول حربي العراق وأفغانستان.
وتسجل هذه النتائج استمرار رفض أغلبية الشارع الأمريكي للحرب التي شنّتها إدارة ترامب في أواخر فبراير الماضي، خلافًا لما تروج له التصريحات الرسمية.
وتعكس هذه التطورات اتساع الجدل داخل الولايات المتحدة حول الحرب على إيران، في ظل تضارب الأرقام الرسمية بشأن الخسائر العسكرية، وتصاعد الانقسام داخل الكونغرس، وتزايد الضغوط الشعبية والإعلامية المطالبة بإنهاء العمليات العسكرية، وسط دعوات متكررة لكشف الحقائق الكاملة المتعلقة بتكلفة الحرب وتداعياتها على الداخل الأمريكي، وقبل أهدافها ومن المستفيد منها.

