بعد التدمير الممنهج للتعليم.. العدو الصهيوني يشن حرب "التجهيل القسري" للأجيال في قطاع غزة
السياسية - تقرير : نضال عليان*
تخوض المنظومة التربوية والتعليمية في قطاع غزة إحدى أشرس معارك الوجود والمعرفة في التاريخ الحديث، بعد أن تحوّلت المؤسسات التعليمية من بيئات للتنشئة والعلم إلى أهداف مباشرة في إطار ما وصفه مسؤولون تربويون بـ"استراتيجية التجهيل القسري الممنهج" التي ينفذها العدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني وأجياله.
وكشفت الإفادات الميدانية الموثقة والشهادات الحصرية الصادرة عن قيادات التعليم في قطاع غزة عن كواليس مخطط يستهدف تجهيل الأجيال وتفكيك البنية المعرفية للفلسطينيين، مقابل جهود مكثفة لإدارة الأزمة بالحد الأدنى المتاح عبر الفصول المؤقتة والخيام وتحت أعتى الظروف الإنسانية.
مأساة تربوية لـ65 ألف يتيم
وفي شهادة توثيقية وميدانية شاملة، كشف مدير مدرسة العودة غربي مدينة غزة، الدكتور نهاد بدرية، في حديث لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، عن الطبيعة الاستراتيجية والأهداف غير المعلنة المستمرة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مؤكداً أن الاستهداف لم يقتصر على مواقع المقاومة أو التدمير العمراني فقط، بل امتد ليتعمد ضرب العمق التربوي والثقافي للمجتمع.
وأشار الدكتور بدرية إلى أن حرب التدمير اتخذت مساراً شمولياً طال المنظومة التعليمية بأكملها ودون استثناء، قائلاً: "إن هذه الحرب الظالمة تحمل في طياتها هدفاً خفياً خطيراً وهو 'تجهيل هذا الجيل'.. لقد ضرب العدو الإسرائيلي البنية التحتية للتعليم بدءاً من رياض الأطفال وحتى الجامعات، وخلّف مأساة إنسانية وتربوية تطال أكثر من 65 ألف يتيم فقدوا المعيل والأمان النفسي".
وأوضح أن ضرب البنية التحتية تم بطريقة تضمن تفكيك السلم التعليمي من بدايته؛ إذ بدأ القصف والتعطيل من رياض الأطفال المسؤولة عن التنشئة النفسية والعقلية الأولى للأطفال، وصولاً إلى المدارس بمختلف قطاعاتها التبعية سواء المدارس الحكومية، أو مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، أو المدارس الخاصة.
وأضاف: "لم تتوقف العملية الاجرامية عند هذا الحد، بل طالت مؤسسات التعليم العالي من كليات جامعية، ومعاهد متوسطة، وجامعات مركزية جرى تسويتها بالأرض أو تعطيل قدراتها التشغيلية بالكامل".
وعلى صعيد البعد التربوي الإنساني، بيّن مدير مدرسة العودة، أن تدمير المباني رافقه شرخ اجتماعي ونفسي عميق، تمثّل في وجود أكثر من 65 ألف طالب وطالبة فقدوا آباءهم ومعيليهم، مما أدخل هذه الشريحة الواسعة في دوامة من الفقدان والاضطرابات النفسية وسلبهم الشعور بالأمان والاستقرار التربوي.
120 ألف طالب يواجهون خطر الأمية
من جانبه، تناول مدير الدائرة الإدارية بمديرية التربية والتعليم بغزة، الدكتور محمود الطلاع، الجانب التشغيلي للأزمة والحصار الصهيوني اللوجستي المحكم الذي يُفرض على الموارد والأدوات التعليمية، مستعرضاً خطة المديرية لإطلاق العام الدراسي ومواجهة التحديات الميدانية المركبة.
وأكد الدكتور الطلاع في حديث مع مراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن القيود اللوجستية تُشكّل وجهاً آخر لسياسة المنع والتجهيل؛ حيث ترفض سلطات العدو الإسرائيلي التنسيقات والوساطات التي تقودها المنظمات الدولية لإدخال المواد الأساسية للعملية التعليمية.
وأوضح أن هذا المنع يشمل حظر إدخال الكتب والمناهج الدراسية المطبوعة، ومستلزمات القرطاسية والأثاث الصفّي، إضافة إلى حظر الأجهزة الرقمية واللوحية (التابلت) التي كانت تُخصّص لخدمة طلبة الثانوية العامة لتسهيل اختباراتهم الإلكترونية ومواصلة دراستهم.
وأمام تضرر وتدمير أكثر من 85 بالمائة من المباني المدرسية في قطاع غزة وتحويل باقي المنشآت لمراكز إيواء متهالكة للمكتظين بالنزوح، أعلن الدكتور الطلاع عن اعتماد آليات هجينة واستثنائية لإدارة الأزمة والحد من تفشي الأمية، موضحا أن "الطالب المدرسي يدرس 12 حصة أسبوعياً فقط لنتيح المجال لغيره.. فالمدرسة الواحدة تعمل بنظام 3 فترات 3 أيام لكل مجموعة".
وقال: "نمر بعجز هائل في المساحات والموارد، لكننا نجتهد لنطلق العام الدراسي القادم في مطلع سبتمبر رغم كل القيود".
وبيّن الدكتور الطلاع طبيعة هذا النظام الاستثنائي؛ إذ يداوم الطالب بواقع 3 أيام في الأسبوع فقط ليتلقى 12 حصة دراسية أسبوعياً، فيما يتم تشغيل الغرفة الصفية أو النقطة التعليمية المقامة من الخشب والقماش على ٣ فترات يومية متعاقبة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب والتغلب على ضيق المساحات المتاحة.
وحذّر من أن هناك نحو 120 ألف طالب وطالبة باتوا يواجهون خطر الأمية المباشرة لعدم تمكنهم من التسجيل بالنقاط التعليمية الحالية نتيجة موجات النزوح المتكررة والافتقار الشديد للمقومات والأماكن.
خريطة الخسائر والتحرك الدولي المطلوب
ووفقاً للبيانات والإحصاءات الموثقة الصادرة عن الجهات التربوية في قطاع غزة، فإن حصيلة الأضرار التي لحقت بالمنظومة التعليمية بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث بلغت نسبة الضرر الجزئي أو التدمير الكلي أكثر من 85 بالمائة من المدارس والمؤسسات التعليمية.
كما سجلت الوثائق ارتقاء أكثر من 21 ألف طالب وطالبة شهداء في مختلف المراحل والدرجات التعليمية، وأكثر من 1,200 شهيد من الكوادر التعليمية والأكاديمية والمعلمين، ما تسبب بحرمان أكثر من 680 ألف طالب وطالبة من حقهم الطبيعي والنظامي في التعليم.
وجدد المسؤولان التربويان الطلاع وبدرية، في حديثهما لـ"سبأ"، دعوتهما العاجلة للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية ذات العلاقة وفي مقدمتها اليونيسيف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والمجلس النرويجي للاجئين لضرورة التدخل السريع وممارسة ضغوط جادة لرفع الحصار التعليمي والسماح الفوري بدخول الكتب، والمناهج المطبوعة، والقرطاسية، والأجهزة الرقمية، وتوفير الحماية القانونية للخيام والنقاط التعليمية المؤقتة وتسهيل إنشائها بموجب مواثيق القانون الدولي الإنساني.
تحطيم أعلى نسب التعليم في العالم
يذكر أن قطاع غزة سجل قبل اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر 2023، واحدة من أدنى معدلات الأمية وأعلى نسب التعليم على مستوى المنطقة والعالم، حيث بلغت نسبة المتعلمين والملمين بالقراءة والكتابة أكثر من 98 بالمائة من إجمالي السكان.
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة التربية والتعليم العالي قبيل حرب الإبادة، فإن معدل الأمية هبط بين الأفراد (15 سنة فأكثر) في قطاع غزة إلى نحو 1.9 بالمائة فقط (1.1 بالمائة بين الذكور و2.8 بالمائة بين الإناث)، وهي من أقل النسب عالمياً.

