خطاب ترامب هجوم على المبادئ الدولية
د. صابر أبو مريم*
تنعقد في هذه الأيام أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يلقي قادة ورؤساء دول العالم إفاداتهم وكلماتهم. وفي اليوم الأول من هذه الاجتماعات، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه الذي أثار علامات استفهام كبرى لدى العالم أجمع: كيف لرئيس أمريكي، ومن على منصة منظمة دولية تهدف لتعزيز السلام، أن يوجه تهديدات بإبادة دولة آمنة ومحو حضارة ضاربة في التاريخ كالحضارة الإيرانية التي تمتد لثلاثة آلاف عام؟ إن الحقيقة الثابتة هي أن ترامب قد لطخ تاريخ الولايات المتحدة بنقطة سوداء، وبات يتصرف بوضوح كعدو للسلام العالمي. لقد اتسم خطابه بالكامل بالأكاذيب والأباطيل، ورسخ انطباعاً مفاده أنه لا يقيم أي وزن أو احترام لشركائه وأمم العالم الأخرى.
وقد واجه خطاب ترامب انتقادات حادة داخل الداخل الأمريكي نفسه، حيث وصف بأنه أحد أسوأ الخطابات في التاريخ الأمريكي. وفي هذا السياق، علق الكاتب والمخرج الأمريكي أندي أوستروي على تصريحات ترامب ضد إيران قائلاً: "وحده شخص بغيض ومعادي للمجتمع يمكنه قول مثل هذه الأشياء. أيها الأمريكيون استيقظوا، يمكننا إنهاء هذا الجنون في الثالث من نوفمبر". كما وصف العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي دانييل ديفيس كلمة ترامب بأنها المشهد الأكثر خزياً وأخلاقياً وتوهيناً بين الخطابات التي ألقاها رؤساء أمريكيون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مضيفاً أن ترامب لم يكتفِ بادعاء الفضل في أحداث إيجابية بشكل مضلل، بل هدد دولة أخرى بالدمار الشامل، وهو سلوك يخالف القانون الأمريكي، والمبادئ الأخلاقية الأساسية، والدستور الأمريكي، ومؤكداً أن تمثيل مثل هذا الشخص للبلاد على المستوى الدولي أمر مؤلم للغاية.
إن هذا الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشكل صفعة قوية للبديهيات الدبلوماسية وللمبادئ الدولية المستقرة، وضربة موجعة للسلام العالمي. لقد استغل منصة دولية يُفترض أنها ملتقى للحلول السلمية والدبلوماسية لبث خطاب الكراهية والتصعيد، ولم يكتفِ بإطلاق ادعاءات منفصلة عن الواقع بشأن سياسته الداخلية والاقتصادية، بل وجه تهديدات صريحة بـ "تدمير" دولة ذات سيادة مثل إيران وإلقائها في "الهاوية"، منتهكاً بذلك القانون الدولي والحضارة الإنسانية.
كما أن الادعاءات التي أطلقها بشأن تعافي الاقتصاد الأمريكي والقوة العسكرية غير المحدودة تتناقض تماماً مع الواقع الميداني؛ إذ تؤشر تقارير مراكز الأبحاث والدفاع الأمريكية، مثل "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS)، إلى وجود نقص حاد في ذخائر الصواريخ الذكية ومنظومات "بDirect" الدفاعية نتيجة للحروب الطويلة والتدخلات غير المبررة. وفي المقابل، يعاني المواطن الأمريكي من تبعات التضخم والسياسات الاقتصادية غير المتوازنة التي يحاول الخطاب التغطية عليها بالأرقام المضللة والتصريحات الاستهلاكية.
أما الموقف الأمريكي تجاه البرنامج النووي الإيراني، فهو مزيج من التناقض والتضليل؛ فبينما يصور ترامب إيران كخطر نووي زاعماً أنه أوقف طموحاتها، يعلم العالم جيداً أن البرنامج الإيراني كان يخضع لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) وكان سلمياً بالكامل، قبل أن تقرر واشنطن بقرار منفرد تقويض هذا الاتفاق التاريخي ودفع المنطقة نحو عدم الاستقرار. كما أن ادعاءات تحقيق إنجازات دبلوماسية أو إحلال السلام في غزة لا تتعدى كونها بروباغندا فارغة تُفنّدها التقرير الدولية وشلال الدماء المستمر على الأرض.
إن الأخطر في هذا الخطاب هو التصريح بإمكانية "محو جمهورية إيران الإسلامية" أو "قضاء على مستقبل أجيالها"، وهو ما يخرج كلياً عن أطر الخطاب الدبلوماسي ليدخل في نطاق الإرهاب الحكومي والعدوان الصريح. إن المادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر بشكل قاطع على جميع الدول الأعضاء التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، غير أن الإدارة الأمريكية تحاول فرض نفسها فوق هذه القوانين والأنظمة الدولية.
إن التهديد بإبادة دولة ومحو أجيالها يمثل اعتداءً مباشراً على الحضارة الإنسانية وعلى ميثاق الأمم المتحدة، ويدلل على سعي الإدارة الأمريكية لإحلال "قانون الغاب" بدلاً من القانون الدولي. إن هذا السلوك لا يكتفي بإضعاف مصداقية وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فحسب، بل يدفع العالم نحو حافة حرب عالمية مدمرة. ويتوجب على المجتمع الدولي ومجلس الأمن اتخاذ موقف حازم تجاه هذه التهديدات واستعراض القوة، وإلزام واشنطن بالكف عن السلوكيات والبيانات التي تقوض الأمن والسلم الدوليين.
وخلاصة القول، إن الرئيس الأمريكي يواصل أجندته في نشر الفوضى والاضطراب عبر العالم، من خلال توفير الملاذات والإسناد للإرهابيين، وفي المقابل تهديد الشعوب والدول الآمنة بالدمار والعدوان. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي اليوم بفاعلية ضد هذه التطلعات الإرهابية، فإن الجميع سيدفع ثمن هذا الصمت غداً في عالم لن يحترم فيه ترامب كرامة أحد ولا سيادة أي دولة أو أمنها، وهو ما يمثل الحضيض في التاريخ السياسي الأمريكي الذي يتألم منه الشعب الأمريكي نفسه قبل غيره.
* الأمين العام لمؤسسة فلسطين في باكستان
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

