السياسية:|| محمد محسن الجوهري*




الملاحظ في سورية اليوم أن العدو الإسرائيلي يعجز عن احتلال دمشق بسبب عجزه عن توفير القوة العددية اللازمة أما بالنسبة للجولاني وجماعته فقد قاموا بالواجب وأعطوه الضوء الأخضر لفعل ذلك وجعلوا من سورية منطقة طاردة للسكان وأخلوها حتى من الأسلحة التي كانت بحوزة الجيش السوري، حتى يتسنى للجنود الصهاينة احتلال البلاد بسلام، وبلا أي شكل من أشكال المقاومة، ليكتمل المشهد السياسي والميداني على خطوط التماس السورية، ويتحول الوكلاء المحليون إلى خط الدفاع المتقدم عن أمن الحدود الإسرائيلية، مستبدلين شعارات التمكين المزعوم بتدمير منظم لمقومات الدولة ومؤسساتها الاستراتيجية.

والأخطر هو الفكر السلفي الوهابي الذي قتل وشرد الملايين من أبناء الشعب السوري، ولا يزال يمارس القتل بالهوية ولكنه يعجز أن ينبس ببنت شفه على العدو الصهيوني، فالخطاب التكفيري والإقصائي الذي روج له التيار السلفي-الوهابي وفر الغطاء العقائدي لتفتيت النسيج الاجتماعي السوري، حيث مارست هذه الجماعات القتل على الهوية والتهجير الممنهج لملايين السوريين تحت شعارات دينية مضللة.

وفي المقابل، سقط هذا الخطاب سقوطاً مدوياً عندما تعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، فعجز عن توجيه رصاصة واحدة نحو العدو المركزي للأمة، بل وصل الأمر ببعض رموزه ومشايخه، إلى جانب حلفائهم من تيارات النفاق السياسي كالإخوان، إلى تبرير التطبيع وتوجيه رسائل الغزل السياسي والمديح للكيان الصهيوني، بل واعتباره حليفاً موضوعياً في معاركهم البينية.

هذا التقاطع الفكري والسياسي يكشف عن جذور أيديولوجية عميقة تتماهى فيها الشعارات التكفيرية مع المصالح الاستعمارية الغربية واليمين المتطرف، بدءاً من خطاب نتنياهو الاستعلائي وصولاً إلى تقاطعات الفكر العازل والتقسيمي الذي يمثله اليمين المسيحي المتطرف في لبنان بقيادة قوى مثل سمير جعجع، في مشهد متكامل الأركان يعيد إنتاج التبعية والارتهان على أنقاض قضايا الأمة المركزية.

أما عن عامة الناس فإن دور الإعلام الموجه في توجيه الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي يمثل حجر الأساس في عملية التغيير القسري. فالمواطنون، باتوا أسرى لسطوة الشاشات والمنصات الإخبارية، وعلى رأسها شبكة "الجزيرة" التي لعبت دوراً محوريْاً في هندسة العقل الجمعي العربي والسوري خصوصاً. لقد نجحت هذه الشبكة، بما تملكه من إمكانيات هائلة وتوظيف محترف للخطاب العاطفي والسياسي، في خلق حالة من "التدجين الممنهج" للأمم، حيث يُصار إلى تحريك الشارع وتوجيهه كالدمى بحسب الأجندات الإقليمية والدولية؛ فتارة يُصوّر المجموعات المسلحة والتابعة على أنها طلائع تحرير وثوار أشاوس، وتارة أخرى يُعاد تبرير الهزائم والانسحابات أو تهيئة الأذهان للقبول بالواقع الجديد وتطبيعه.

وبهذا المعنى، لم تكن السياسة القطرية بمعزل عن مسار الاستباحة الكبرى، بل شكلت المال السيادي والغطاء الإعلامي الجبار الذي مهد الطريق، شريكاً رئيسياً في تسليم سورية ومقدراتها للعدو الصهيوني على طبق من فضة، دون مقاومة حقيقية، لتكتمل حلقة المؤامرة بين رأس المال، والإعلام المضلل، والمشروع الاستعماري العضوي.

ومن تتبع موقف التيارات السلفية التقليدية تجاه شخص بنيامين نتنياهو والكيان الصهيوني يكشف عن مفارقة كبرى وهوة ساحقة بين شعاراتهم المرتفعة وممارساتهم الواقعية. فالأدبيات الحركية والخطب المنبرية لهؤلاء طالما تغنت بالانتماء لجيل الصحابة، رافعةً لواء الولاء والبراء والجهاد دفاعاً عن بيضة الإسلام والمسلمين. غير أن هذه الشعارات الرنانة تهاوت كحطام السيل حين اصطدمت بالواقع الميداني والسياسي، ليتحول الصراع مع المشروع الصهيوني إلى صمت مطبق، أو مهارة في تبرير التخاذل، بل وصل الأمر لدى بعضهم إلى غض الطرف تماماً عن جرائم الاحتلال وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء.

وهذا الصمت المريب والتغاضي المستمر عن عدوانية نتنياهو لا يمكن تفسيره مجرد عجز ميداني، وإنما انعكاس لأصل أيديولوجي ومصلحي أعمق؛ إذ لطالما صُبَّت جل طاقات هذه الجماعات في معارك داخلية عبثية استهدفت كيان الدول العربية ومجتمعاتها تحت غطاء التكفير والقتال على الهوية، بينما تعطلت بوصلتهم تماماً حين تعلق الأمر بالعدو المركزي للأمة. وحين يُطرح التساؤل عما إذا كان هذا التواطؤ بالصمت يعكس تقاطعاً جوهرياً مع سياسات الإسرائيلي، تبدو الإجابة ماثلة في وحدة الأهداف؛ فمن يتخذ من تدمير الأوطان وتشتيت شعوبها وظيفةً له، ويصمت دهراً عن جرائم الصهاينة بل ويمرر مشاريعهم بلا تردد، إنما يثبت بالممارسة الفعلية أن المسافة بينه وبين أعداء الأمة أضيق بكثير من المسافة التي تفصله عن مقدساتها وشعوبها، لتتساقط بذلك ادعاءات الانتساب للصحابة أمام اختبار الموقف والمبدأ.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب