السياسية || محمد محسن الجوهري*


يأتي النصر أحياناً على شكل ضربة موجعة للعدو من الداخل، وهذا ما كنا نلاحظه خلال الحروب الست، والعدوان الدموي الغاشم على أنصار الله في الشمال.

فمثلاً، خلال الحرب الثالثة، فوجئ نظام علي عبد الله صالح بأنه مضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة بسبب الانتخابات الرئاسية في شهر سبتمبر 2006، فاضطر من أجلها إلى إلغاء الحرب. وعندما عاد لإعلان العدوان مجدداً في 2007، كان الوضع قد تغير، وكانت المعادلة قد اختلفت، وكان وضعه أضعف.

وحتى في 2010، عندما رآه خصومه أو حلفاؤه في السلطة سابقاً من حزب الإصلاح ضعيفاً في الحروب الست، قرروا الانتقام منه وإسقاط نظامه. ولذلك استغلوا أحداث 2011 ليستولوا على السلطة وليوجهوا له ضربة من الداخل، رغم أنه خلال تاريخه الطويل من الحكم كان حليفاً قوياً للإخوان ومكّنهم من السلطة الدينية في البلاد ومن المساجد والمدارس وبنى لهم الجامعات، وحاول بقدر الإمكان أن يجعل من فكرهم هو السائد في هذه البلاد على حساب العقيدة الإسلامية الصحيحة.

والأمر أيضاً ينطبق على ما بعد أحداث الربيع العربي، فقد رأينا كيف عاد عفاش لينتقم من هؤلاء الناس وتحالف مع أنصار الله ضدهم.

وكذلك ما بعد عدوان 2015 الظالم على اليمن، جاءت الأزمة الخليجية كشكل من أشكال الانتصار أو الروح الإلهية لأنصار الله وللشعب اليمني عموماً، فمثلت ضربة موجعة للعدوان من الخلف. وبسببها تحققت إنجازات كبيرة، منها مثلاً ركود جبهة نِهم وصرواح لفترة طويلة؛ لأن الطرف الذي كان يقاتل في تلك الجبهات كان أقرب إلى قطر، وبسبب الدعم القطري توقفت هذه الجبهات لإغاضة النظام السعودي.

ومؤخراً، مع اختلاف السعودية والإمارات، حدث ما حدث في الساحل الغربي وكان الانهيار الكبير لقوات المرتزق طارق صالح التي كانت موالية للإمارات ودخلت مع الإمارات في شيء من العداء للسعودية. وجاء الانتقام على شكل انسحاب كلي من الساحل الغربي.

الأمر لا يقتصر على الداخل اليمني؛ فالآن المنطقة مهيأة بشكل كبير لعولمة الوضع اليمني، وأن يتعولم على المنطقة بأكملها وعلى العالم. وما يفصل اليمن عن ذلك، وما يفصل أنصار الله عن هذه الخطوة، هو تفتت النظام السعودي الذي يمر اليوم بمرحلة حساسة جداً، ففي أي لحظة إذا حدث خلل أو تفكك داخل الأسرة الحاكمة، فإن الوضع سيمثل انتصاراً كبيراً لأنصار الله، ولن تكون الدولة السعودية قادرة على أن تستمر على ما هي عليه من التماسك.

والوضع في المملكة يُهيَّأ لذلك؛ أولاً لديها انقسام كبير داخل العائلة المالكة. فمن المعروف عن محمد بن سلمان أنه أطلق حملة اعتقالات كبيرة داخل الأسرة المالكة واعتقل أبناء عمومته وشرد الكثير منهم، بل وصل الأمر إلى حد الإخفاء القسري لشخصيات كان لها سلطة ونفوذ في الماضي. ولا شك أن هذه الأطراف لا تزال تحتفظ ببعض النفوذ الذي قد يمكّنها من توجيه ضربة ثأر ضد محمد بن سلمان.

وهذا الخلاف العائلي يشكل أيضاً بيئة خصبة للمستثمرين من الخارج؛ فقطر لديها خصومتها مع النظام السعودي، وكذلك الإمارات مؤخراً. وجميع هؤلاء الآن من مصلحتهم أن يسقط النظام السعودي. إضافة إلى أن الأمة الإسلامية اليوم تتمنى أن ترى النظام السعودي يسقط ويتلاشى بسبب الدور السلبي الذي يلعبه ضد القضية الفلسطينية وضد شعوب الأمة مجتمعة.

وما الصراع الآن بين قطر والإمارات من جهة، وبين السعودية من جهة أخرى، أو بين جميع هذه الأطراف مجتمعة، إلا جزء من قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، وهذا نوع من التدافع الإلهي الذي يخفف به الله عن المؤمنين ويُوهِن به جبهة المستكبرين.

وقريباً بإذن الله سنشاهد النظام السعودي يتلاشى ويسقط بسبب ضربات موجعة ستأتيه من الداخل، وربما عن طريق جماعة الإخوان التي كانت في الماضي حليفاً قوياً للنظام السعودي وكان لها حضور قوي داخل مؤسسات الدولة، ولا تزال تحتفظ بجزء كبير من قوتها العددية ولديها القدرة على أن تفعل داخل المملكة كما فعل حزب الإصلاح من قبل مع نظام علي عبد الله صالح.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب