السياسية : تقرير|| فهد صلاح||


بدت محافظة إب مع قدوم ذكرى المولد النبوي الشريف، وكأنها تستعيد صفحةً من تاريخها الإيماني العريق، وترتدي من نور المحبة ثوبًا يليق بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فمنذ الأيام الأولى لانطلاق الاستعدادات، أخذت الشوارع والأحياء والقرى والمديريات تتوشح باللون الأخضر، وارتفعت اللافتات والعبارات المعبرة عن الشوق والولاء، فيما ازدانت المآذن والمباني العامة والميادين بالأضواء والزينة، في مشهد تتعانق فيه المظاهر الجمالية مع القيم الإيمانية، لتتحول المحافظة بأكملها إلى لوحة نابضة بالفرح والوفاء لرسول الرحمة.

ولأن المحبة الصادقة لا تُختزل في الكلمات، فقد تجلت في محافظة إب أفعالًا قبل أن تكون أقوالًا، فالمبادرات المجتمعية تتسابق لتزيين الأحياء، واللجان الشعبية تعمل بروح الفريق الواحد، والفعاليات الثقافية والخطابية والإنشادية تتوالى في المدن والأرياف، فيما تتسابق المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية والمجتمعية إلى إعداد برامجها الخاصة بهذه المناسبة.

إنها حالة استثنائية تمتزج فيها الروح بالهوية، ويغدو الاحتفاء بالمولد النبوي مشروعًا مجتمعيًا تشارك فيه مختلف الفئات، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، في صورة تعكس عمق الارتباط بالرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي كل عام، يثبت اليمنيون أن علاقتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست علاقة مناسبةٍ موسمية، وإنما عهدٌ متجدد وامتدادٌ لتاريخ طويل من المحبة والولاء، ارتوت جذوره منذ أن حمل أجدادهم نور الإسلام إلى الآفاق، ونالوا بشارة النبي الكريم حين قال: "أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبًا وألين أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية"، ولذلك فإن إحياء ذكرى المولد النبوي في اليمن ليس مجرد احتفال، بل إعلان متجدد بأن هذا الشعب ما يزال يرى في السيرة النبوية دستورًا للحياة، وفي أخلاق المصطفى ميزانًا للعدل، وفي رسالته مشروعًا لبناء الإنسان وصناعة الحضارة.

وإذا كانت الزينة تبهج الأبصار، فإن المعاني التي تحملها هذه المناسبة تلامس البصائر؛ فالأعلام الخضراء ليست مجرد ألوان ترفرف فوق المباني، بل رموز لمعانٍ راسخة في الوجدان، والأنوار التي تتلألأ في الشوارع ليست سوى انعكاس للنور الذي أضاء الله به الدنيا بمبعث نبيه الكريم، وكأن المحافظة بأحيائها وأسواقها ومرتفعاتها وسهولها تردد بصوت واحد أن محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليست شعارًا يرفع، وإنما سلوك يُترجم، وأخلاق تُجسد، ومواقف تُصنع في ميادين الحياة.

ولعل من أبرز ما يميز إحياء هذه المناسبة في المحافظة أنها لا تنفصل عن واقع الأمة وقضاياها الكبرى؛ فالمولد النبوي يتحول إلى محطة لاستلهام قيم العزة والكرامة والعدل التي جاء بها الإسلام، وتجديد الالتزام بمناصرة المستضعفين والوقوف إلى جانب المظلومين.

ومن هذا المنطلق، يؤكد أبناء محافظة إب، كما سائر أبناء اليمن، أن موقفهم الثابت في نصرة الشعب الفلسطيني ودعم قضيته العادلة، ورفض العدوان والاحتلال، إنما يستمد جذوره من النهج المحمدي الذي جعل نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف قيمةً دينيةً وأخلاقيةً لا تقبل المساومة.

فحين تُستباح المقدسات، ويُستهدف الأبرياء، يبقى صوت اليمن حاضرًا، مستلهمًا من سيرة النبي الكريم معاني الثبات والوفاء والعدل.

وهكذا، تمضي إب نحو الثاني عشر من ربيع الأول بقلبٍ يخفق محبةً، ولسانٍ يلهج بالصلاة والسلام على خير البرية، وسواعد تبني مشاهد الاحتفاء بروح جماعية نادرة، فلا تكاد تخلو قرية أو حارة أو مؤسسة من استعداد أو فعالية أو مبادرة، وكأن الجميع يتنافسون في التعبير عن حبهم لمن أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية.

وفي هذا المشهد الإيماني المهيب، تتجلى صورة اليمن كما عرفها التاريخ: أرض الإيمان والحكمة، وموطن الرجال الذين ظلوا أوفياء للعهد، يحملون في قلوبهم محبة النبي، وفي مواقفهم نصرة الحق، وفي وجدانهم يقينًا بأن الأمم التي تتمسك برسالتها وقيمها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها وصيانة كرامتها.

ويرى محافظ إب عبدالواحد صلاح أن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف يجسد أصالة الهوية الإيمانية التي عُرف بها أبناء اليمن عبر التاريخ، ويؤكد عمق ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشيرًا إلى أن ما تشهده المحافظة من استعدادات واسعة وتفاعل شعبي ورسمي يعكس المكانة العظيمة التي تحتلها هذه المناسبة في وجدان المجتمع، ويترجم قيم المحبة والوفاء والاقتداء بخير البرية قولًا وعملًا.

ويؤكد أن السلطة المحلية سخّرت إمكاناتها لإنجاح برامج وأنشطة المولد النبوي، بما يضمن مشاركة مجتمعية واسعة تليق بعظمة المناسبة، لافتًا إلى أن الاحتفاء الحقيقي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتجسد في استلهام سيرته العطرة، وترسيخ مبادئ العدل والرحمة والتكافل والإخلاص في خدمة المجتمع، وتعزيز وحدة الصف والتلاحم بين أبناء الوطن، بما يسهم في مواجهة مختلف التحديات.

من جانبه، يوضح عضو مجلس النواب الدكتور علي الزنم أن الشعب اليمني حافظ عبر مختلف المراحل على حضوره المتميز في إحياء ذكرى المولد النبوي، حتى أصبحت المناسبة عنوانًا لهويته الإيمانية، ومنبرًا لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستحضار الدروس العظيمة التي حملتها رسالته في بناء الإنسان وإقامة مجتمع العدل والرحمة.

ويشير إلى أن المواقف المشرفة التي يسطرها اليمنيون في مناصرة قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تمثل امتدادًا طبيعيًا للنهج المحمدي القائم على نصرة الحق والوقوف إلى جانب المظلومين، مؤكدًا أن إحياء المولد النبوي يعزز الوعي بهذه المسؤولية، ويجسد ارتباط اليمنيين العملي بقيم الإسلام ومبادئه الإنسانية الخالدة.

بدوره، يؤكد مسؤول التعبئة العامة بالمحافظة عبدالفتاح غلاب أن فعاليات المولد النبوي لهذا العام تشهد حضورًا شعبيًا لافتًا واستعدادات غير مسبوقة في مختلف المديريات والعزل والأحياء، حيث تتواصل الأمسيات والندوات والأنشطة الثقافية والمبادرات المجتمعية، في مشهد يعكس صدق المحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحرص أبناء المحافظة على إحياء المناسبة بما يليق بمكانتها.

ويبين أن ذكرى المولد النبوي تمثل محطة تربوية وإيمانية لترسيخ القيم المحمدية في النفوس، وبناء جيل يستلهم من السيرة النبوية معاني الصدق والأمانة والتضحية والإحسان، مؤكدًا أن المشاركة الواسعة في الفعاليات، وصولًا إلى الحضور الكبير في الفعالية المركزية، تعبر عن وعي المجتمع بعظمة المناسبة، وتمسكه بهويته الإيمانية، واستمراره في حمل الرسالة التي جاء بها النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، قولًا وسلوكًا وموقفًا.

ويؤكد رئيس جامعة إب الدكتور نصر الحجيلي أن الجامعات لا يقتصر دورها على أداء رسالتها الأكاديمية والبحثية، بل تضطلع أيضًا بمسؤولية ترسيخ الهوية الإيمانية وتعزيز الوعي بقيم الإسلام السمحة، مشيرًا إلى أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة جامعة لاستلهام معاني العلم والأخلاق والرحمة التي جسدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وربط الأجيال بسيرته العطرة باعتبارها المنهج الأرقى في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

ويبين أن جامعة إب تحرص على إحياء هذه المناسبة من خلال برامج ثقافية وعلمية وتوعوية متنوعة، تسهم في تنمية الوعي لدى الطلاب، وتعزز في نفوسهم قيم الوسطية والعطاء والانتماء للأمة، مؤكدًا أن استلهام السيرة النبوية كفيل بإعداد جيل يجمع بين التفوق العلمي والالتزام الأخلاقي، ويشارك بفاعلية في خدمة وطنه وأمته.

من جانبه، يشير مسؤول القطاع التربوي بالمحافظة محمد الغزالي إلى أن المدارس تمثل الحاضنة الأولى لغرس محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نفوس الناشئة، وأن إحياء ذكرى المولد النبوي يعد فرصة تربوية لترسيخ القيم المحمدية، وتعريف الطلاب بالسيرة العطرة وما تحمله من دروس في الصدق والأمانة والإحسان والرحمة والتسامح.

ويؤكد أن القطاع التربوي بالمحافظة أعد برامج وأنشطة متنوعة بهذه المناسبة، تشمل الندوات والمسابقات الثقافية والفعاليات المدرسية، بما يسهم في تنمية وعي الطلاب، وتعزيز ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحويل معاني المناسبة إلى سلوك عملي ينعكس إيجابًا في حياتهم العلمية والاجتماعية.

ويرى الشيخ العلامة علي العكام أن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف هو احتفاء بالنور الذي أخرج الله به البشرية من ظلمات الجهل إلى آفاق الهداية، وتجديد للعهد مع خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال الاقتداء بأخلاقه، والتمسك بسنته، والسير على نهجه القويم في القول والعمل.

ويؤكد أن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استحضار سيرة النبي الكريم باعتبارها مدرسة متكاملة في بناء الإنسان وإقامة العدل ونشر الرحمة بين الناس، مشددًا على أن أعظم صور الاحتفاء بالمولد النبوي تتمثل في ترجمة تعاليمه إلى واقع عملي، وإحياء قيم الإخاء والتكافل والتراحم، والاعتصام بحبل الله، ووحدة الصف في مواجهة التحديات التي تستهدف الأمة الإسلامية.

بدوره، يوضح الشيخ القبلي حفظ الله النجار أن القبائل ظلت، عبر مختلف المراحل، وفية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تستمد من سيرته قيم العزة والكرامة والشجاعة والوفاء، معتبرًا أن التفاعل الشعبي الواسع مع فعاليات المولد النبوي يعكس رسوخ هذه المحبة في وجدان أبناء اليمن جيلاً بعد جيل.

ويشير إلى أن القبيلة اليمنية، وهي تستقبل هذه المناسبة المباركة، تؤكد تمسكها بثوابتها الدينية والوطنية، واستعدادها الدائم للقيام بمسؤولياتها في تعزيز التلاحم المجتمعي، وإصلاح ذات البين، ونصرة قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، انطلاقًا من المبادئ التي أرساها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي جعلت نصرة المظلوم والوقوف إلى جانب الحق شرفًا وواجبًا لا يسقط بتقادم الزمن.

وتبقى ذكرى المولد النبوي الشريف في محافظة إب أكثر من مناسبة احتفالية؛ فهي موسم تتجدد فيه معاني الإيمان، وتلتقي فيه القلوب على محبة خير البرية، وتتجسد فيه أسمى صور التلاحم والتكافل والوحدة.

ففي كل راية خضراء تُرفع، وكل منزل يتزين، وكل أمسية تُقام، وكل نشيد يُردد، رسالة وفاء لرسول الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، ورسالة تؤكد أن شعبًا جعل من محبة نبيه منهجًا، ومن أخلاقه دستورًا، سيظل قادرًا على صناعة مواقفه بثبات، وحماية هويته بعزة، والإسهام في نهضة أمته بإيمان لا تزعزعه المحن، ويقين لا تنال منه الخطوب.

سبأ