شتاء غزة يقترب بخيام مهترئة وبيوت مدمرة ونازحون بلا مأوى آمن
غزة ـ السياسية:
لم تصل الأمطار بعد، لكن الشتاء بدأ يطرق أبواب النازحين في قطاع غزة مبكرًا؛ هبّت رياح منخفض جوي عابر، لم يستمر أكثر من نحو 24 ساعة ولم يحمل معه هطولات مطرية مؤثرة، لكنها كانت كافية لإعادة مشهد الشتاءات الماضية إلى ذاكرة آلاف الأسر التي تعيش منذ نحو ثلاث سنوات في خيام ومساكن مؤقتة لا تقوى على مواجهة الرياح، فكيف بالمطر والبرد؟
في غزة، لا ينتظر النازحون أول قطرة مطر حتى يبدأوا الاستعداد. فالخيمة التي تبدو من الخارج مجرد قطعة قماش، تتحول مع اقتراب الشتاء إلى قائمة طويلة من الاحتياجات: أخشاب لتثبيت الهيكل، ومسامير وبراغٍ وحبال وأوتاد، وشوادر لإغلاق الجوانب، ومواد أخرى لمنع تسرب المياه ومقاومة الرياح.
وكلما اقترب الشتاء، ارتفعت كلفة تأمين أبسط مقومات المأوى، فيما تتقلص قدرة الأسر على تحمّلها.
ومع أول اختبار للرياح، لاحظ الأهالي ارتفاع أسعار الشوادر والخيام والأخشاب ومستلزمات التثبيت والترميم، لتجد الأسر نفسها أمام معادلة قاسية: مأوى هش يحتاج إلى مزيد من التدعيم، ومواد أساسية بات الحصول عليها أكثر صعوبة وكلفة.
أبو سلامة حجي، أحد النازحين من شرق مدينة غزة، بدأ منذ أيام تجهيز خيمة لعائلته تحسبًا للشتاء. لا يبحث عن خيمة مريحة أو مأوى أفضل، وإنما يحاول فقط أن يجعل المكان الذي يأوي إليه أطفاله قادرًا على الصمود أمام فصل جديد من البرد والمطر.
ويقول أبو سلامة في حديث لصحيفة (فلسطين)، إن تجهيز الخيمة لم يعد أمرًا بسيطًا، فالشادر والخشب ومواد التثبيت أصبحت تمثل عبئًا إضافيًا على أسرة تعاني أصلًا من ظروف معيشية قاسية، مضيفًا أنه اضطر إلى شراء احتياجاته على مراحل، وفق ما يتوفر معه من مال.
ويتابع أن الخيمة بالنسبة له ليست ترفًا، بل ضرورة لحماية أسرته من البرد، لكن المشكلة تكمن في أنه لا يستطيع شراء كل ما تحتاج إليه دفعة واحدة.
وما زاد مخاوفه أن الرياح التي شهدها المنخفض الأخير، رغم غياب الأمطار، أعطته لمحة عما يمكن أن يحدث عندما تأتي الرياح محمّلة بالمطر.
ويقول إن أكثر ما يخشاه هو أن يصل الشتاء قبل أن يتمكن من تثبيت الخيمة وإغلاق جوانبها بصورة كافية، مشيرًا إلى أن الرياح وحدها كانت قادرة على اختبار قدرة المأوى الهش على الصمود.
وتتكرر الحكاية في مخيمات النزوح ومناطق الإيواء المختلفة. أسر تحاول تدعيم خيامها بما يتوفر لديها، وأخرى تعيد استخدام الشوادر القديمة والممزقة، فيما تنتظر أسر ثالثة المساعدات الإنسانية التي لا تكفي لتغطية جميع الاحتياجات.
لكن أزمة المأوى لا تتوقف عند الخيام، ففي حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، اختار الستيني ناصر حسان البقاء في شقة استأجرها رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء القصف.
أجزاء من الجدران تهدمت، وفتحات تركها الدمار جعلت المكان مكشوفًا أمام الهواء، إلا أن الشقة بالنسبة إليه تظل المكان الوحيد الذي يستطيع أن يأوي إليه مع من بقي من أسرته.
يقضي حسان وقته في محاولة ترميم ما يمكن ترميمه، مستخدمًا الأخشاب والشوادر التي يستطيع الحصول عليها لإغلاق الجدران والفتحات، قبل أن تصل الأمطار والبرد.
ويقول حسان، إن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر مواد الترميم، وإنما بارتفاع أسعارها؛ فهو يحتاج إلى كميات من الخشب ومستلزمات التثبيت، لكنه لا يستطيع شراءها دفعة واحدة، لذلك يعمل على إصلاح جزء من المنزل، ثم ينتقل إلى جزء آخر عندما تتوفر لديه الإمكانات.
وكانت الرياح الأخيرة، كما يقول، بمثابة إنذار بأن الوقت ينفد، وأن عليه الإسراع في إغلاق الأجزاء المهدمة، لأن المنزل الذي بالكاد يوفر سقفًا فوق رأس أسرته قد يصبح غير صالح للسكن إذا دخلت مياه الأمطار إليه.
وبين خيمة يحاول صاحبها تثبيت أوتادها، ومنزل متضرر يحاول صاحبه سد جدرانه، تتشابه المخاوف رغم اختلاف المكان. كلاهما يبحث عن شيء واحد: مأوى يحمي الأسرة من برد الشتاء، وكلاهما يصطدم بأسعار ترتفع واحتياجات تتزايد وقدرات مالية تتراجع.
وتحذر منظمات أممية ودولية منذ أشهر من استمرار أزمة المأوى في قطاع غزة، حيث يعيش عدد كبير من السكان في خيام ومساكن مؤقتة أو منازل تضررت بفعل الحرب. وشددت الأمم المتحدة خلال أغسطس الماضي على ضرورة إدخال مستلزمات المأوى، بما فيها الأخشاب والحبال والأدوات اللازمة، لتمكين الأسر من تدعيم مساكنها المؤقتة وتحسين قدرتها على مواجهة الظروف الجوية القاسية.
كما تظهر تقييمات قطاع المأوى أن الاحتياجات لا تقتصر على توفير الخيام الجاهزة، وإنما تشمل مواد إصلاح المآوي القائمة وتحسينها، وهي احتياجات تزداد إلحاحًا كلما اقترب فصل الشتاء.
ولا يمكن الجزم حتى الآن بأن شتاء 2026/2027 سيكون الأقسى، إذ لا تسمح التنبؤات الجوية بعيدة المدى بتحديد طبيعة المنخفضات والعواصف بدقة قبل أشهر. لكن بالنسبة إلى النازحين، لا يحتاج الأمر إلى توقعات طويلة المدى كي يدركوا حجم الخطر؛ فقد كانت ساعات قليلة من الرياح كافية لتذكيرهم بأن خيامهم ومساكنهم الهشة لا تزال تقف بين أسرهم وبين برد قد يكون قاسيًا.
في غزة، يبدأ الشتاء قبل وصوله إلى نشرات الطقس؛ يبدأ حين يرفع أبٌ عينيه إلى سقف خيمته ويتساءل إن كان سيصمد، وحين يجمع آخر قطعة خشب ومسمارًا وشادرًا قديمًا ليغلق بها جدارًا مهدّمًا.
وبينما يتهيأ العالم لاستقبال فصل جديد، يتهيأ النازحون في غزة لمعركة أخرى لا يملكون فيها سوى ما تبقى من خيمة، أو غرفة نصف مهدمة، وبعض الأخشاب والشوادر.
هناك، لا يخشى الناس الشتاء لأنه بارد فحسب، بل لأن قطرة المطر قد تتحول داخل مأوى هش إلى ليلة كاملة من المعاناة؛ ولأن ما يبدو للآخرين فصلًا من فصول السنة، يعني لعائلات غزة اختبارًا جديدًا لقدرتها على البقاء.
سبأ

