ثمانية آلاف جثمان تحت الأنقاض ومأساة عائلات تمحوها الحرب في غزة
السياسية - وكالات:
خلف تلال الركام التي تغطي قطاع غزة، لا تزال هناك مقبرة صامتة ومخفية تضم ما لا يقل عن ثمانية آلاف جثمان، وفقاً لأحدث التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة.
هذه الأرقام المخيفة تعكس حجم الكارثة الإنسانية المستمرة، في وقت تحول فيه نقص الوقود والمعدات الأساسية دون انتشال الضحايا ومنحهم دفناً لائقاً.
وفي شهادة تعيد تجسيد المأساة بالأرقام والأسماء، أفاد مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، آجيت سونغاي، عبر منصة "إكس"، اليوم الثلاثاء، بأن طواقم الإنقاذ تمكنت خلال الشهر الجاري من انتشال رفات يُعتقد أنها تعود لـ 96 شخصاً ينتمون لثلاث عائلات في مدينة غزة. والصادم في هذه الحصيلة أن نصف الضحايا تقريباً هم من النساء والأطفال، مما يسلط الضوء مجدداً على الكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون.
وتختزل قصة عائلة "المالكة" فصول هذا العزاء الممتد؛ إذ فقدت العائلة 72 من أفرادها دفعة واحدة جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت منازلهم في نوفمبر 2023. لعدة أشهر، لم يتم انتشال سوى ثلاث جثث فقط، وظل الباقون تحت الأنقاض حتى هذا الشهر، حيث عُثر على رفات 55 شخصاً آخرين، بينما لا يزال 14 فرداً في عداد المفقودين، بانتظار معجزة تخرجهم من عتمة الركام.
وأضاف أن عائلة المالكة فقدت 72 فردًا من أفرادها جراء غارات جوية للعدو الإسرائيلي استهدفت منازل العائلة في نوفمبر 2023، ولم يُنتشل حينها سوى ثلاث جثث، فيما عُثر هذا الشهر على رفات يُعتقد أنها تعود إلى 55 فردًا آخرين من العائلة، بينما لا يزال 14 فردًا في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
وأوضح أن القوة التدميرية الهائلة للذخائر الثقيلة خلّفت في بعض الحالات بقايا بشرية يصعب انتشالها، فيما أصبح التمييز بين الأنقاض والرفات أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ونقل سونغاي عن أحد الناجين من الهجوم على منازل عائلة المالكة قوله إنه شعر طوال ما يقرب من ثلاث سنوات بأنه «مدفون» تحت طبقات من الحزن والألم، نتيجة معرفة أن أفراد عائلته ما زالوا يرقدون تحت الأنقاض، والعجز عن انتشالهم ودفنهم.
وبيّن أن فرق الدفاع المدني الفلسطيني تمكنت من انتشال أكثر من 800 جثمان منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، رغم النقص الحاد في المعدات والوقود والأفراد، مشيرًا إلى أن استكمال انتشال الجثامين المتبقية قد يستغرق، وفق هذا المعدل، عشر سنوات أخرى على الأقل، فضلًا عن الوقت اللازم لتحديد هوياتها، إذا كان ذلك ممكنًا.
وأكد سونغاي أن من واجب "إسرائيل"، بموجب القانون الدولي، بذل كل ما هو ممكن لضمان العثور على الرفات وتحديد هوياتها ودفنها بكرامة، بما يتوافق مع المعتقدات الدينية والثقافية للعائلات، محذرًا من أن الأثر الجماعي لتصرفات «إسرائيل» يجعل أي جهود منهجية وواسعة النطاق للبحث والانتشال وتحديد الهوية شبه مستحيلة.
ولفت إلى أن بعض العائلات، ومنها عائلة المالكة، لم تتمكن من انتشال رفات أحبائها بسبب نقص الموارد، مشيرًا إلى أن السلطات الإسرائيلية تعرقل دخول الآليات الثقيلة والأفراد المدربين اللازمين لتنفيذ عمليات انتشال واسعة النطاق.
وقال إن فرق الدفاع المدني الفلسطيني لا تملك في الوقت الراهن سوى حفارة واحدة، وتضطر أحيانًا إلى البحث بين الأنقاض بأيديها، في وقت تعجز فيه عائلات أخرى عن الوصول إلى المناطق التي قُتل فيها أفرادها للبحث عن رفاتهم.
وأوضح أن القوات الإسرائيلية تحاصر السكان الفلسطينيين في غزة من جميع الجهات على طول ما يسمى "الخط الأصفر" المتغير باستمرار، وأن معظم أراضي القطاع أصبحت خارج هذا الخط وغير متاحة للفلسطينيين، بمن فيهم فرق الدفاع المدني وعائلات المفقودين.
وأشار إلى تزايد التقارير عن قيام جنود إسرائيليين بإزالة الأنقاض وسحقها في تلك المناطق، رغم احتمال احتوائها على رفات بشرية.
وأضاف أن العائلات تواجه صعوبات حتى بعد انتشال الجثامين في تحديد هوياتها، موضحًا أن «إسرائيل» تمنع إدخال أدوات الطب الشرعي اللازمة للتعرف إلى الرفات، بما في ذلك فحوص الحمض النووي وبصمات الأصابع، ما يضطر العائلات إلى الاعتماد على السمات الجسدية أو التخمين استنادًا إلى موقع العثور على الرفات.
وقال سونغاي إنه لو تسببت كارثة طبيعية في أزمة بهذا الحجم، لكانت الآليات الدولية وفرق البحث والطب الشرعي المتخصصة والموارد اللازمة قد جرى تفعيلها على نطاق واسع، داعيًا إلى استجابة مماثلة في غزة.
وحذّر من أن الوضع يهدد بفقدان الأدلة اللازمة لضمان محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم، كما يطيل معاناة آلاف العائلات التي تعيش أصلًا في خوف وانعدام أمن واحتياج مستمر.
وأكد أن لهذه العائلات الحق في معرفة مصير أطفالها وآبائها وأمهاتها وإخوتها وأبناء عمومتها، والحق في الحداد عليهم بكرامة، والحق في العدالة.

