يُتمٌ وعجزٌ وشرط "السِن".. ثلاثيةٌ تحاصر أيمن وأمه في غزة
السياسية - تقــــرير :
لم يكن أيمن بحاجة إلى أكثر من يدٍ تسنده ودواءٍ يحفظ ما تبقى من قدرته على الحياة، لكن حتى هذه اليد باتت مشروطة بعمره. ففي غزة، حيث أثقل الفقد كاهل أمه، وأثقل العجز جسده، وجد أيمن نفسه محاصراً بثلاثيةٍ قاسية: يُتمٌ فقد معه أفراد أسرته، وإعاقةٌ تجعله عاجزاً عن تدبير أبسط شؤونه اليومية، وشرطٌ إداري يربط حقه في الرعاية بسنّه.
تجاوز الخامسة عشرة، فوجدت أمه أبواب الكفالة تُغلق في وجهها، وكأن سنوات عمره ألغت إعاقته، وأسقطت عنه حقه في الرعاية، فيما لا يزال عاجزاً عن الإمساك بملعقة أو الذهاب إلى الحمام بمفرده.
في أحد أماكن النزوح وسط قطاع غزة، تعيش الأم بيان الصعيدي مع نجلها أيمن، بعدما فقدت خلال الحرب زوجها وأبناءها، ولم يبقَ لها سوى هذا الابن الذي يحتاج إلى رعاية دائمة، في وقت لم يعد فيه لديها من القوة ما يكفي لتحمل أعباء النزوح والفقد والعناية به وحدها.
تقول بيان إن زوجها استشهد في قصف صهيوني استهدف منزل الأسرة شمالي قطاع غزة، لتجد نفسها أمام مسؤولية رعاية أيمن، قبل أن تفقد ابنها أنس، الذي كان المعيل الأساسي للأسرة والسند الذي تعتمد عليه في رعاية شقيقه.
ولم تتوقف الخسارات عند ذلك، إذ فقدت ابنها أمير أمام عينيها، إثر قصف صهيوني طال خيمة مجاورة لخيمتهم، لتبقى الأم وحدها في مواجهة واقعٍ أثقل من قدرتها، تحمل وجع فقد زوجها وأبنائها، وتحاول في الوقت ذاته حماية أيمن وتأمين احتياجاته الأساسية.
وتروي الأم لـ وكالة (صفا) الفلسطينية، أن أيمن يعاني من ضمور في الدماغ وإعاقة وظيفية شديدة، تجعله غير قادر على القيام بأبسط شؤونه اليومية بمفرده، قائلة: "كيف كبر أيمن، وهو غير قادر يمسك ملعقة، ولا عارف يصل الحمام وحده؟".
وتضيف بحرقة: "راح أنس اللي كان شايل البيت وشايل أخوه، وراح أمير وما ظل لي إلا أيمن"، في إشارة إلى حجم المسؤولية التي أصبحت تتحملها وحدها بعد فقدان أفراد أسرتها.
لكن معاناة الأم لا تتوقف عند غياب الأبناء أو صعوبة توفير احتياجات أيمن، إذ تصطدم بمحاولة الحصول على الكفالة والرعاية بحاجز آخر: العمر.
وتقول بيان: "أيمن مش بس ابني، أيمن وجعي اللي بيحرقني كل ثانية، لما يسألوني المؤسسات عن عمره وأقول تجاوز الـ15، يسكروا الباب بوجهي!".
وتتساءل: "من يفهّم العالم أن إعاقة ابني ليس لها علاقة بالعمر؟"، مؤكدة أن احتياجات أيمن لم تتغير لمجرد أنه تجاوز الخامسة عشرة، فهو لا يزال بحاجة إلى من يطعمه ويساعده على الحركة والذهاب إلى الحمام، ويؤمّن له العلاج والرعاية المستمرة.
وتزداد هذه المعاناة في قطاع غزة، حيث أدى استمرار العدوان الصهيوني وتدمير المرافق الصحية ومؤسسات الرعاية إلى اتساع فجوة الاحتياجات الطبية والتأهيلية، ولا سيما بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بإعاقات جديدة نتيجة الإصابات.
وبحسب بيانات حديثة لوزارة الصحة في غزة، فإن أكثر من 10 آلاف جريح يحتاجون بصورة عاجلة إلى خدمات التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي للحيلولة دون تحول إصاباتهم إلى إعاقات دائمة، فيما ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من إعاقات دائمة أو جديدة في القطاع إلى أكثر من 43 ألف شخص.
وفي ظل نقص الخدمات المتخصصة وصعوبة الوصول إلى العلاج والرعاية، يجد كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم أنفسهم أمام احتياجات تفوق إمكاناتهم، فيما تتحمل الأمهات والأسر العبء الأكبر في توفير الرعاية اليومية.
وبالنسبة إلى بيان، لا تبدو الأرقام والإحصاءات سوى انعكاس لواقع تعيشه كل يوم؛ فالحرب لم تترك لها بيتاً تحتمي به، ولا زوجاً تستند إليه، ولا أبناء يساعدونها في رعاية أيمن، وحتى أبسط مستلزمات العناية به باتت شحيحة.
وتقول: «الحرب هدّت حيلنا، ولم يبقَ عندنا حتى حفاظة ولا علاج؟"
وهكذا، لا تقف مأساة أيمن عند جسدٍ عاجز أو أمٍ أنهكها الفقد؛ بل تمتد إلى سؤال أكبر: ماذا يفعل من لا يستطيع الاعتماد على نفسه، حين يصبح عمره سبباً لحرمانه من الرعاية؟
في غزة، كبر أيمن على الورق فقط. أما في حياته اليومية، فما زال يحتاج إلى من يمسك يده، ويطعمه، ويقوده إلى الحمام، ويحميه من عالمٍ لم يعد فيه حتى الحق في الرعاية مضموناً.
وبين ركام البيت وركام العائلة، تبقى أمه واقفةً إلى جواره؛ فقدت زوجها وأبناءها، لكنها لم تفقد معركتها الأخيرة: أن تجد لأَيمن مكاناً لا يُغلق بابه في وجهه لأنه كبر.

