ثورة 21 سبتمبر تتوج مسيرة 12 عاماً بحصاد متنوع من الإنجازات والانتصارات
السياسية - تقرير II جميل القشم *
في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م، أطلق الشعب اليمني ثورته التي حملت عنوان التحرر من الوصاية والارتهان، واستعادة القرار الوطني من قوى النفوذ، بعد سنوات من الفساد والانقسام وتآكل مؤسسات الدولة، وما رافق ذلك من تدخلات خارجية سعت إلى إبقاء اليمن رهينة للأجندات الإقليمية والدولية.
ودخل اليمن، مع انتصار الثورة، مرحلة جديدة أعادت رسم معادلات القوة والقرار، واستعاد خلالها إرادته الوطنية وعزز استقلال قراره في مواجهة الضغوط والتحديات، وخلال السنوات التالية فرضت التطورات المتلاحقة حضور اليمن في المشهد الإقليمي والدولي، وانتقل من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع الفاعل والمؤثر في عدد من ملفات المنطقة.
وارتبطت الثورة بمشروع سياسي يقوم على أولوية الشراكة الوطنية، ورفض الوصاية الخارجية، وتعزيز استقلال القرار اليمني، في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة، ومع بدء العدوان والحصار وما رافقهما من تحديات غير مسبوقة، خاض اليمنيون معركة متعددة المستويات للحفاظ على مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتهم السياسية والأمنية والعسكرية.
وبعد اثني عشر عاماً على انطلاقتها، تزخر ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر بتحولات ووقائع شملت مختلف المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب والحصار والتحديات الداخلية والخارجية، وفي ذكرى الثورة نستعرض أبرز ما تحقق خلال هذه السنوات.
استقلال القرار:
لعقود مضت، ظل اليمن واقعاً تحت نفوذ مباشر لقوى خارجية، وفي مقدمتها السعودية والولايات المتحدة، وكان سفيرا الرياض وواشنطن يتدخلان مباشرة في إدارة الشأن اليمني، ويمارسان تأثيراً واسعاً في صناعة القرار السياسي، في ظل حالة من الارتهان أضعفت مؤسسات الدولة ووسعت دائرة التأثير الخارجي في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية.
وعملت السعودية على توسيع نفوذها عبر شراء الولاءات القبلية والدينية، وإثارة الفتن والنعرات وتمزيق النسيج الاجتماعي، فيما اتجه السفير الأمريكي إلى بناء علاقات مباشرة مع شخصيات اجتماعية ومشايخ ووجاهات قبلية، ومحاولة تعزيز ارتباطاته بعدد من المناطق، إلى جانب التغلغل في أوساط المجتمع المدني، واتخاذها نافذة للتأثير في المجتمع والتدخل في مختلف شؤون اليمن بما يخدم السياسات الأمريكية.
ومع انطلاق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، تراجع حضور تلك التدخلات في صناعة القرار اليمني، وتقدمت القوى الوطنية في إدارة الشأن الداخلي وتحديد المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، كما تبلورت مواقف أكثر استقلالاً في التعامل مع الضغوط الخارجية، بما عزز قدرة اليمن على اتخاذ قراراته بعيداً عن الوصاية والارتهان.
التحرر من الوصاية:
جاءت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر استجابة لحاجة وطنية وشعبية ملحة للتحرر من الوصاية الخارجية، ووضع حد لحالة الارتهان والتبعية التي أحاطت بالقرار السياسي اليمني، وترسيخ حق اليمن في الاستقلال والسيادة والحرية.
وانتهت معها مرحلة التدخلات والإملاءات الخارجية التي كانت تفرض على اليمن توجهات سياسية وتتحكم في شؤونه، وتراجع تأثير القوى الخارجية على خياراته، بما عزز استقلال الموقف اليمني وارتباطه بالمصالح الوطنية.
إسقاط الأقلمة:
رفضت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مشروع الأقلمة الذي طُرح لليمن، باعتباره صيغة تقوم على تقسيم البلاد إلى أقاليم، وتفتح المجال أمام التجزئة وإعادة توزيع النفوذ على أسس جغرافية ومناطقية.
وأسقطت الثورة هذا المشروع من الحسابات السياسية، وأفشلت الترتيبات التي كانت تدفع باتجاه إقراره، لتبقى صيغة الدولة الواحدة هي الإطار السياسي الذي يتمسك به الموقف اليمني.
الشراكة الوطنية:
عملت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر على تشكيل حكومة كفاءات وشراكة وطنية، وإشراك المكونات السياسية في إدارة شؤون البلاد، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية.
كما وضعت معالجة الفساد والعبث بالمال العام ضمن أولوياتها، وعملت على استعادة الموارد التي تعرضت للنهب والاستحواذ، والحد من سيطرة المتنفذين على مقدرات البلاد.
رفض التطبيع:
مثلت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر حاجزاً أمام أي توجه نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، ورسخت موقفاً ثابتاً من القضية الفلسطينية، ورفضت إقامة أي علاقات أو ترتيبات سياسية مع الاحتلال.
وأبقت الثورة اليمن بعيداً عن موجة التطبيع التي شهدتها المنطقة لاحقاً، وثبتت رفض إقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي باعتباره موقفاً سياسياً ثابتاً في اليمن.
نجاح أمني كبير:
قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، كان الوضع الأمني في اليمن يعيش حالة من الانهيار والانفلات، وسط صراعات قبلية ومناطقية وطائفية، وانتشار واسع للجماعات والتنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها القاعدة وداعش، التي نفذت عمليات اغتيال وتفجير وتفخيخ بصورة شبه يومية، وحولت عدداً من المدن والمناطق إلى ساحات مفتوحة للعنف والفوضى.
ولم يسلم الجيش والأمن من هذا الانفلات، حيث تعرض منتسبوه لعمليات اغتيال واستهداف ممنهجة، وطالت المئات منهم، ووصلت حالة الخوف إلى حد اضطرار عدد من العسكريين إلى التخلي عن ارتداء الزي العسكري وإخفاء رتبهم أثناء تنقلهم، خشية التعرف عليهم واستهدافهم، بالتزامن مع استهداف المؤسسة العسكرية والأمنية بالتفجيرات والاغتيالات وغيرها من الأعمال التي أضعفت قدرتها على حماية البلاد وفرض الأمن.
وبانتصار ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، بدأت مواجهة مباشرة مع الجماعات والتنظيمات الإرهابية، واستعادت الأجهزة الأمنية والعسكرية دورها في ملاحقة العناصر المتورطة في الاغتيالات والتفجيرات ومواجهة أعمال الفوضى، قبل أن يفرض العدوان والحصار تحديات جديدة، دفعت إلى رفع الجاهزية الأمنية والعسكرية وتعزيز القدرات في مواجهة التهديدات وحماية الجبهة الداخلية.
فوضى واغتيالات:
لم يكن هناك شبر آمن في اليمن من الفوضى الأمنية التي ضربت البلاد قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، حيث انتشرت الاغتيالات وعمليات الذبح والإخفاء القسري والتفجيرات الانتحارية، وطالت هذه الأعمال مختلف فئات المجتمع، من المواطنين والقيادات السياسية والاجتماعية إلى منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية، في ظل غياب الأمن وتحول حياة اليمنيين إلى ساحة مفتوحة للخوف والاستهداف.
وتكشف الإحصاءات الأمنية حجم ما شهدته البلاد من عمليات اغتيال وإخفاء قسري خلال العقود السابقة للثورة، إذ سجلت الفترة من 1990 حتى 2014م ثمانية آلاف و132 عملية، شملت مختلف المحافظات والمناطق، وتوزعت بين الاغتيالات والإخفاء القسري، إلى جانب عمليات التفجير والاستهداف التي نفذتها الجماعات والتنظيمات الإرهابية.
وبلغت عمليات الاغتيال ذروتها خلال الفترة من 2011 إلى 2014م، التي شهدت تصاعداً لافتاً في التدخل الأمريكي في الشأن اليمني، حيث سجلت الإحصائية الأمنية أكثر من 1364 عملية اغتيال خلال هذه السنوات، استهدفت شخصيات عسكرية وأمنية وسياسية واجتماعية، في وقت كانت فيه الجماعات الإرهابية تنشط بصورة واسعة وتستهدف مؤسسات الدولة وقياداتها ومنتسبيها.
القضاء على بؤر الإرهاب:
تمكنت الأجهزة الأمنية من القضاء على بؤر الجماعات التكفيرية، وفي مقدمتها داعش والقاعدة، وإنهاء وجودها في المناطق التي كانت تنشط فيها، بعد عمليات أمنية وعسكرية استهدفت أوكارها وخلاياها، كما أُحبطت فتنة ديسمبر وأفشلت محاولات جر البلاد إلى اقتتال داخلي.
وانعكس القضاء على هذه البؤر بصورة مباشرة على الوضع الأمني، فتأمنت الطرقات للمسافرين، وانتهت عمليات الاغتيال والتفجير وقطع الطرق، وعادت المدن والمناطق التي كانت تنشط فيها الجماعات الإرهابية إلى حالة من الأمن، وأصبح المواطنون يمارسون حياتهم ويتنقلون دون الخوف الذي كان يرافقهم في السابق.
تفوق أمني واستخباراتي:
بنت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر منظومة أمنية واستخباراتية أكثر قوة وفاعلية، مستندة إلى إعادة تنظيم العمل الأمني وتطوير قدراته لمواجهة الحرب الأمنية والاستخباراتية التي تشنها دول العدوان، وتمكنت هذه المنظومة من التعامل مع محاولات الاختراق والاستهداف وإفشال جانب كبير من المخططات الموجهة ضد الجبهة الداخلية.
ورغم الاستهداف المباشر الذي تعرضت له المؤسسة الأمنية، حافظت على حضورها وفاعليتها في المحافظات الحرة، وواصلت أداء مهامها في حفظ الأمن والنظام، ومكافحة الجريمة، وحماية المجتمع، وإفشال المخططات التي تستهدف الجبهة الداخلية، إلى جانب العمل على ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار وسيادة القانون.
وجاء هذا التطور ثمرة لعمل متواصل في إعادة البناء والتأهيل والتدريب، وتطوير الأداء الأمني والاستخباراتي، ورفع كفاءة الكوادر والارتقاء بقدرات الأجهزة المختصة، ضمن برنامج مستمر للتصحيح والتطوير، أسهم في تعزيز جاهزية المؤسسة الأمنية وقدرتها على التعامل مع مختلف التحديات.
أمن يحاصر الجريمة:
منذ بدء العدوان، توالت الإنجازات الأمنية في مواجهة المخططات التخريبية والإرهابية، وإحباط مئات العمليات التي حركتها قوى العدوان عبر خلاياها وعناصرها، إلى جانب تفكيك آلاف العبوات الناسفة التي زرعتها تلك العناصر لاستهداف المواطنين، وإفشال محاولات استهداف الجبهة الداخلية في مختلف المحافظات الحرة.
وامتدت المهام الأمنية إلى مختلف الجرائم والقضايا، فشملت ضبط مئات الآلاف من الجرائم الجنائية، واستعادة المسروقات وتسليمها لأصحابها، وضبط الخلايا الإجرامية المنظمة، ومكافحة تهريب وترويج المخدرات، وإحباط عمليات تهريب الآثار اليمنية، إلى جانب تنفيذ آلاف المهام لتأمين الفعاليات الرسمية والشعبية.
وتتواصل هذه الجهود بصورة يومية في ضبط مرتكبي الجرائم وإفشال العديد منها قبل وقوعها، بما يعكس اتساع العمل الأمني وتنوع مهامه، في ظل العدوان والحصار، في حين تشهد المحافظات الواقعة تحت سيطرة قوى العدوان اضطرابات أمنية وعمليات اغتيال وتفجيرات وانتشاراً للجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في عدد من المناطق.
إعادة بناء القوة العسكرية:
قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، تعرض الجيش اليمني لعملية إضعاف وتفكيك ممنهجة، شملت إعادة هيكلته وسلب هويته الوطنية واستبعاد عدد من العناصر الوطنية، بالتزامن مع تصاعد استهدافه من قبل تنظيم القاعدة عبر عمليات اغتيال وهجمات منظمة، استهدفت معنويات منتسبيه وإفقاد المؤسسة العسكرية ثقتها بقدرتها على أداء مهامها في حماية البلاد.
وامتد الاستهداف إلى القدرات الدفاعية للجيش، حيث جرى تدمير منظومات صواريخ الدفاع الجوي وتسريح ألوية حماية الحدود والقوات البحرية، واستبدالها بوحدات محدودة الإمكانات، ما أدى إلى إضعاف منظومة الدفاع عن البلاد وتقليص قدرتها على مواجهة التهديدات.
وبعد ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، بدأت عملية إعادة بناء الجيش على أسس جديدة، شملت إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتأهيل منتسبيها وتطوير قدراتها، وترسيخ عقيدة قتالية تقوم على الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب ورفض الارتهان للخارج، بما أعاد للمؤسسة العسكرية دورها في حماية البلاد ومواجهة التحديات.
وشملت عملية البناء تطوير الأداء العسكري بصورة مستمرة، ورفع مستوى الجاهزية والتدريب والتأهيل، وتعزيز القدرات الدفاعية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات التي واجهها اليمن خلال سنوات العدوان والحصار، وصولاً إلى بناء قوة عسكرية أكثر قدرة على أداء مهامها والدفاع عن البلاد.
من الاستيراد إلى التصنيع العسكري:
شهدت القدرات العسكرية اليمنية تطوراً لافتاً في مجال التصنيع العسكري منذ ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، حيث انتقل العمل من الاعتماد على ما هو متاح من الخارج إلى تطوير قدرات محلية في إنتاج أنواع متعددة من الأسلحة والمعدات، رغم ظروف العدوان والحصار وما فرضاه من قيود على الإمكانات والموارد.
وشمل التصنيع المحلي طيفاً واسعاً من الأسلحة، بدأ بالأسلحة الفردية والمتوسطة وتطور إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بمختلف المديات، إلى جانب تطوير منظومات ومعدات عسكرية أخرى، بما عزز القدرات الدفاعية ورفع مستوى الاعتماد على الإمكانات المحلية في توفير احتياجات القوات المسلحة.
ومع هذا التطور، تراكمت الخبرات الوطنية في مجالات التصنيع والهندسة والتقنيات العسكرية، وتوسعت القدرات الفنية المرتبطة بها، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات العسكرية بصورة أكبر والاستفادة من الخبرات المتراكمة في دعم مسار التصنيع والإنتاج المحلي.
حصاد عسكري متصاعد:
ومن أبرز إنجازات ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر تثبيت موقف اليمن من قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث تحولت مساندة الشعب الفلسطيني إلى فعل عسكري مباشر في معركة إسناد غزة، ونفذت القوات المسلحة عمليات استهدفت سفناً مرتبطة بالكيان الإسرائيلي في البحرين الأحمر والعربي، كما استهدفت البوارج والسفن العسكرية الأمريكية، في واحدة من أبرز محطات التحول في الدور اليمني على مستوى المنطقة.
وفي مواجهة العدو السعودي، تطورت القدرات الصاروخية والطيران المسير، وامتدت العمليات إلى العمق السعودي، وطالت المنشآت الحيوية والاقتصادية والتحشيدات العسكرية التابعة للعدو السعودي في مختلف الجبهات، ضمن معركة كسر الحصار وانتزاع حقوق الشعب اليمني، لتدخل الأهداف العسكرية والاقتصادية السعودية ضمن نطاق عمليات القوات المسلحة، رداً على الحصار بالحصار.
وأثمر تطور القدرات العسكرية عن توسيع نطاق العمليات والوصول إلى أهداف بعيدة، وطالت الضربات مواقع ومنشآت ذات أهمية عسكرية واقتصادية، وأصبح الوصول إلى عمق العدو والرد على أهدافه العسكرية والاقتصادية جزءاً من العمليات التي تنفذها القوات المسلحة في مواجهة العدوان والحصار.
وفي أحدث محطات الحصاد العسكري، تمكنت القوات المسلحة من تحرير مديريات الساحل الغربي بعد دك تحشيدات العدو السعودي وطردها من مواقعها، وأدى ذلك إلى استعادة مناطق ومواقع استراتيجية، وتأمين المديريات المحررة وعودة مؤسسات الدولة إليها، وتعزيز السيادة على امتداد الساحل الغربي وممراته.
سبأ

