هيئة علماء فلسطين تصدر بياناً في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة
السياسية - وكالات:
أصدرت هيئة علماء فلسطين بياناً ، اليوم الأربعاء ، بمناسبة الذكرى الثالثة لحرب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة.
وجاء في البيان الذي نشرته على حسابها بمنصة "إكس" واطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) : "الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فإن هذه الأيام تمر فيها الذكرى الثالثة لحرب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م، وقد ضرب المجاهدون يومها مثالًا يعجز البيان عن وصفه في الذود عن الحرمات والمقدسات والأرض والعرض، كما دخلت غزة منذ ذلك اليوم في حرب إبادة صهيونية مدمرة امتدت آثارها إلى الإنسان والأرض والعمران وما تزال مستمرة إلى يومنا هذا، وارتقى خلالها مئات الآلاف بين شهيدٍ وجريح وشُرّدت الأسر وهُدمت البيوت والمساجد والمستشفيات والمدارس واشتدّ الحصار واستُخدم التجويع والتهجير وما تزال هذه الحرب وآثارها العدوانيّة مستمرة في حياة أهلنا في غزة وما يزال الاحتلال الصهيونيّ ماضيًا في جرائمه وإبادته!"
وأكدت الهيئة في بيانها في هذه الذكرى ما يأتي:
أولاً: إن فلسطين أرض واقعة تحت الاحتلال وإن أصل القضية هو وجود الاحتلال وعدوانه على الأرض والإنسان والمقدسات، وإن دفع العدوان عن النفس والأرض والعرض من الحقوق والواجبات التي قررتها الشريعة قال الله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . وقد قرر الفقهاء أن جهاد الدفع عن النفس والحرمات والأرض من آكد الواجبات، وما قام به المجاهدون يوم السابع من أكتوبر هو جهاد دفع قررته بدهيات الأحكام الشرعيّة.ثانياً: ونحن نستذكر هذه الذكرى فإنّنا نستذكر معها جراح أهل غزة وعذاباتهم وآلامهم وما عاشوه وما يزالون يعيشونه منذ ثلاث سنوات من قتلٍ وإبادةٍ وتهجيرٍ ونزوحٍ وتجويعٍ وحصارٍ وهدمٍ للبيوت والمساجد والمستشفيات وفقدٍ للأهل والأبناء والأحبة، ونقول لأهلنا في غزة: إن ما أصابكم من البلاء عظيم وإن صبركم عليه أعظم، وإن الله تعالى إذا ابتلى عباده المؤمنين رفعهم وثبّتهم وأظهر صدقهم، وقد قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . فإن صبركم ورباطكم وثباتكم في أرضكم مقامُ كرامةٍ واصطفاء، وإن ما بذلتموه من دماءٍ وأحبةٍ وأعمارٍ سيبقى شاهدًا على صدقكم وجهادكم أبد الدهر ونسأل الله أن يجعل هذا البلاء رفعةً لكم وأجرًا ومقدمةً لفرجٍ ونصرٍ قريب.
ثالثاً: تؤكد الهيئة أن تحميل المجاهدين من أهل غزة أو المدافعين عن دينهم وأرضهم مسؤوليةَ ما وقع من قتلٍ ودمارٍ وتهجير قلبٌ للحقيقة وتبرئةٌ ضمنية للمعتدي؛ فالعدو الصهيوني هو الذي قتل وهو الذي دمّر وهو الذي حاصر وجوّع وشرّد وهو الذي يتحمل المسؤولية المباشرة عن جرائمه، وتتحمل في موازاة ذلك الأنظمة التي تملك من أسباب القوة العسكريّة والسياسية والمال والضغط ما تستطيع به نصرة أهل غزة وكبح العدوان ثم اختارت الخذلان أو الصمت أو العجز المصطنع؛ فتركُ ثلةٍ تدافع عن أرضها ودينها وحدها في مواجهة آلة حربٍ هائلة ثم تحميلها تبعات ما صنعه العدو هو ظلمٌ فوق الظلم وتزييفٌ للتاريخ والشرع. والواجب أن يُسمّى الجاني جانيًا والمخذِّل مخذِّلًا وأن تبقى المسؤولية واضحة على من ارتكب الجريمة وعلى من قدر على النصرة فتخلى عنها.
رابعاً: إن مما يجب قوله بوضوح أن خذلان أهل غزة وتركهم يواجهون آلة الحرب وحدهم كان من أعظم أسباب اتساع الكارثة واستمرارها؛ فلو قامت الأمة ــ حكوماتٍ ومؤسساتٍ وشعوبًا ــ بما تملكه من أسباب الضغط والنصرة والإغاثة والسياسة والاقتصاد والقانون لكان لذلك أثرٌ في كبح العدوان وتقليل آثاره، ومن الخطأ الشرعي والأخلاقي أن يُلام من وقع عليه العدوان بينما يُعفى مَن خذله وهو قادرٌ على نصرته.
خامساً: إن الواجب الشرعي على حكام الأمة كان ـ وما يزال ـ استعمال ما بأيديهم من سلطانٍ وقوةٍ ومالٍ وعلاقاتٍ سياسية واقتصادية في تحرير فلسطين وحماية الشعب الفلسطيني ووقف العدوان وفتح سبل الإغاثة ومنع التهجير وممارسة الضغط الحقيقي على الاحتلال وداعميه ووقف كل تعاونٍ يعزز قدرته على استمرار جرائمه، والولاية في الشريعة أمانة والتكليف فيها على قدر القدرة ومقام المسؤوليّة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
سادساً: إن على علماء الأمة واجبًا مضاعفًا في هذه المرحلة؛ أن يبينوا أصل القضية ويحرسوا ميزان الشرع من التزييف ويواجهوا الخطاب الذي يحمّل المظلوم جريمة ظالمه، ويبقوا فلسطين والمسجد الأقصى وغزة حاضرةً في ضمير الأمة ويبينوا للناس واجبات النصرة والإغاثة والدفاع عن الحقوق، وإن صمت العلماء في ساعة اختلاط الروايات وقلب الحقائق يترك فراغًا تملؤه دعاية الاحتلال ويضاعف مسؤوليتهم بين يدي الله تعالى؛ فالواجب عليهم أن يجاهدوا في سبيل الحق بعلمهم وألسنتهم وأقلامهم ومنابرهم وأن يبذلوا من أنفسهم وأوقاتهم ومكانتهم وصِلاتهم ما يوقظ الأمة ويستنفر طاقاتها ويقيم الحجة على حكامها وشعوبها وأن يتحملوا تبعات البيان ولا يجعلوا العلم ستارًا للصمت أو السلامة الشخصية وذريعةً لترك الواجب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ" .
سابعاً: إنّ على شعوب الأمة أن تدرك أن نصرة غزة وفلسطين أمانةٌ شرعيةٌ ومسؤوليةٌ متجددة وليست موجةَ تعاطفٍ موسمية تنطفئ بانطفاء الخبر؛ فعلى كل مسلمٍ واجبات بقدر أقصى استطاعته وموقعه بالإغاثة والدعم والمقاطعة والضغط الشعبي والسياسي والعمل الإعلامي والقانوني، وتجب حماية وعي الأجيال من التزييف والتطبيع مع إبقاء فلسطين والمسجد الأقصى في صدارة الاهتمام العام، وإن أخطر ما يريده الاحتلال أن يعتاد الناس جرائمه وأن يتحول في وعي الأمة من عدوٍّ محتلٍّ معتدٍ إلى طرفٍ طبيعي، ولذلك فإن مقاومة هذا التطبيع في الوعي والسلوك وإبقاء قضية فلسطين حيةً في المساجد والجامعات والنقابات والبيوت والمنابر جزءٌ من واجب النصرة الذي تتوزع مسؤوليته على أبناء الأمة جميعًا بحسب ما آتاهم الله تعالى من قدرةٍ وتأثير.
ثامناً: تحذر الهيئة من تشويه صورة المجاهدين المدافعين عن أرضهم ومقدساتهم أو اقتطاع الوقائع من سياق الاحتلال الممتد أو اتخاذ الأخطاء والتجاوزات ذريعةً لتجريم المقاومة وتشويه المجاهدين وإلغاء حق الشعب الفلسطيني في دفع العدوان والتحرر؛ وتؤكد أن تعمد التشويه والبهتان وترويج رواية المحتل بما يطعن في أهل المقاومة ويعين على خذلانهم محرّمٌ شرعًا بل هو من الكبائر العظيمة لما يشتمل عليه من ظلمٍ وتزييفٍ للحقائق وإعانةٍ للعدو على حربه النفسية والإعلامية، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.
تاسعاً: تحذر الهيئة من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لتجريم الجهاد في سبيل الله تعالى ودفع العدوان أو تسويغ القعود عن نصرة الأرض والمقدسات؛ فهذا قلبٌ لدلالة الآية عن سياقها الذي فهمه الصحابة، فقد أنكر أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه على من حملها على معنى الإقدام في القتال، وبيّن سبب نزولها فقال: "فكانت التهلكة الإقامةَ على الأموال وإصلاحَها وتركَنا الغزو"، أخرجه أبو داود والترمذي، فكان معنى التهلكة في هذا السياق أن تنصرف الأمة إلى مصالحها الخاصة وتترك واجبها تجاه ما يتهددها من عدوان؛ ومن ثم فإن حفظ النفس الذي جاءت به الشريعة يجتمع مع حفظ الدين والأرض والعرض والمقدسات ويبقى دفع العدوان حقًّا وواجبًا على الأمة جمعاء وليس على أهل غزة أو فلسطين بمفردهم.
عاشراً: تؤكد الهيئة أن تحميل السابع من أكتوبر مسؤولية ما يجري في المسجد الأقصى المبارك تدليسٌ على حقائق التاريخ وقلبٌ لموقع الجاني والضحية؛ فمشروع تهويد الأقصى واقتحاماته وحفرياته ومحاولات تقسيمه زمانيًا ومكانيًا وفرض السيادة الصهيونية عليه سابقٌ على السابع من أكتوبر بعقودٍ ممتدة، وإن الذي أغرى الاحتلال بمزيدٍ من التمادي هو ضعف الردع وخذلان الأمة وتراجعها عن واجبات النصرة والحماية؛ فالمعتدي يتمادى حين يأمن العاقبة والمقدسات تُستباح حين يغيب من يحميها ويمنع العدوان عنها، ومن الظلم البيّن أن يُجعل المدافع عن أرضه ومسرى نبيه سببًا في جريمةٍ خطط لها المحتل وسعى إليها قبل ذلك بسنين ثم يُعفى صاحب المشروع العدواني ومن خذل الأقصى من مسؤوليتهم.
الحادي عشر: تؤكد الهيئة أن الواجب الشرعي تجاه فلسطين وغزة والمسجد الأقصى واجبٌ عامٌّ تتعلق به ذمم الحكام والمحكومين والسياسيين والعلماء والجماعات والمؤسسات والأسر والشعوب، كلٌّ بحسب أقصى قدرته وموقعه وما آتاه الله تعالى من أسباب التأثير؛ فالمسؤولية موزعة على الأمة كلها والتقصير مع القدرة مؤاخذةٌ شرعية، ولا يُعذر أحدٌ في ترك ما يقدر عليه من النصرة والإسناد والبيان، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
واختتمت الهيئة بيانها بالقول: "وفي هذه الذكرى تقف هيئة علماء فلسطين إجلالًا أمام شهداء غزة وفلسطين، أولئك الذين مضوا إلى ربهم بعد أن كتبوا بدمائهم أصدق صفحات الثبات والوفاء، وتستذكر الجرحى الذين حملوا في أجسادهم آثار المعركة والأسرى الذين طال عليهم ليل السجون وبقيت أرواحهم عصيةً على القيد والمهجّرين الذين خرجوا من بيوتهم يحملون أبناءهم وذكرياتهم ومفاتيح دورهم وأهل غزة جميعًا الذين توزعت حياتهم خلال ثلاث سنوات بين شهيدٍ وجريحٍ وأسيرٍ وبيتٍ مهدم وخيمةٍ ثم يقومون من بين الركام ليقولوا للعالم إن لهذه الأرض أهلًا وإن لهذا الحق رجالًا.
وإننا لنستحيي أمام عظمة صبرهم أن تمر الذكرى كلماتٍ وخطبًا ثم تمضي؛ فهؤلاء الشهداء أمانة وهذه الجراح أمانة وهؤلاء الأسرى أمانة ودموع الأمهات والأطفال أمانة وكل ذلك يضع الأمة أمام سؤالها الثقيل: ماذا فعل الحكام وهم يملكون القوة والقرار؟! ماذا قال العلماء وهم يحملون أمانة البيان؟! ماذا صنعت المؤسسات والحركات والشعوب وهي ترى غزة تُقتل وتُحاصر وتُجوّع وتُهجّر؟! وأي جوابٍ سنحمله بين يدي الله تعالى عن أرضٍ باركها للعالمين وعن شعبٍ استصرخ أمته ثلاث سنوات وعن دماءٍ سالت وهي تنتظر النصرة؟!".

