تعز.. بوابة الوحدة وأمن المضيق
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يذكر الدكتور سلطان ناجي في كتابه الشهير "تاريخ اليمن العسكري" أن الإنجليز أرادوا أن يجعلوا من تعز دولة أخرى فاصلة بين الشمال والجنوب بهدف القضاء على أي محاولات يمنية لإعادة توحيد الشطرين في المستقبل. وأرادوا أيضاً رسم هوية منفصلة للحجرية بالتحديد، قائمة على الاستعلاء المناطقي والتنكر للهوية اليمنية، وتزامن ذلك مع شحن مماثل في الجنوب ضد أبناء الشمال من جهة، وفيما بين الجنوبيين أنفسهم من جهة أخرى، وذلك كجزء من سياسة "فرق تسد" التي اعتاد الإنجليز ممارستها في مناطق نفوذهم.
ولأن العدو السعودي ومعه جماعة الإخوان في اليمن يمثلون امتداداً للمشروع الغربي، فقد لعبوا على نفس الخط الذي ابتدعه الإنجليز؛ ولذلك لم نرَ -مثلاً- في حرب 94 أي انتفاضة للإخوان في تعز باتجاه عدن، لأنهم والسعودية كانوا جزءاً من العدوان على أبناء الجنوب. لكن الأمر اختلف منذ عدوان 2015 وحتى اليوم، حيث مارس المرتزقة كل أشكال الشحن المناطقي بهدف تفجير الوضع في المحافظة وإفشال أي جهود وحدوية تعمل عليها حكومة صنعاء.
وكان من نتائج ذلك الشحن حملة اعتداءات واسعة طالت أبناء المحافظات الشمالية بهدف استفزاز صنعاء وإجبارها على اتخاذ إجراءات مماثلة بحق التعزيين في مناطق سيطرتها، وهو ما لم يحدث بفضل الله وبفضل القيادة الحكيمة. إلا أن أبناء تعز لم يسلموا من المصير نفسه في المحافظات الجنوبية، حيث كان العدوان وأدواته يؤججون الجميع ضد الجميع، ورأينا في عدن الكثير من حالات القتل والتهجير التي طالت الشماليين، وفي المقدمة أبناء تعز، كونهم الضحية الأولى لأي مشروع انفصالي في اليمن.
وقد أراد العدوان -أيضاً- لأبناء تعز أن يكونوا وقوداً لمعركة الصهيونية في اليمن، ورمى عشرات الآلاف منهم في محارق الساحل الغربي تحت رايات مناطقية، حتى إذا تسنى له احتلال المخا ومناطق الساحل الغربي، عهد بها إلى صنف آخر من المرتزقة، وهم آل عفاش، لخبرتهم الطويلة في حماية الملاحة الصهيونية التي دأب عليها نظامهم منذ وصول عفاش الكبير إلى السلطة في يوليو 1978. وهذه النهاية ينبغي أن تبقى ماثلة أمام أعين المرتزقة من الفصائل الأخرى، فدماؤهم النازفة وخسائرهم الكبيرة ستذهب لصالح صنف آخر من الخونة؛ فالعدو ينظر للجميع كأدوات رخيصة في مشروعه الشيطاني، كما أن الرياض لا تفرق بين يمني وآخر، فهي تحرض الموالي ضد المعادي، لأنها امتداد لسياسة "فرق تسد" القديمة نفسها.
إلا أن مخططات الصهاينة والسعودية باءت بالفشل مؤخراً، ولعل أهم أسباب الفشل هو ظهور السعودية على حقيقتها كنظام صهيوني يدعم كل المشاريع التدميرية في اليمن والمنطقة، وما حديثه عن حماية السنة في اليمن إلا ذريعة لضرب الوحدة الوطنية. ولو أنهم صدقوا في حماية أهل السنة لرأينا آل سعود يدعمون الشعب الفلسطيني بدلاً من دعم اليهود، فحرب غزة كشفت الجميع، وصدق الله حين قال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾. وليس هناك أشد إهلاكاً للأرض والناس أكثر من الصهاينة وعملائهم من الأعراب، فهم خلف كل عدوان وكل اقتتال داخل البلاد الإسلامية.
أما بالنسبة لأنصار الله، فقد صدق فيهم قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾؛ فهم خير من يقدم التضحيات الجسام في سبيل الله صيانةً للأرض والعرض، وحمايةً للمقدسات واستباسلاً في الدفاع عن قضايا الأمة الكبرى. إنهم يسطرون ملاحم الصمود في صمت مطبق، بعيداً عن البهرجات الإعلامية والزيف الذي يمارسه معسكر النفاق؛ ذلك المعسكر الذي لا يجيد سوى تنميق الخطابات وإطلاق الشعارات الرنانة، عاجزاً عن تقديم أي فعل حقيقي أو نصرةٍ صادقة للمستضعفين، فبينما يكتفي الخصوم بالتنظير والمزايدة، يترجم المجاهدون أقوالهم إلى أفعال على أرض الواقع، مضحين بدمائهم وأرواحهم ذوداً عن كرامة الأمة وعزتها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

