الإمام زيد يتكرر في كل زمان
عدنان عبدالله الجنيد*
عندما تتحول جثة الأسير إلى ساحة للانتقام، ويُتعامل مع جسد الشهيد باعتباره غنيمةً للخصومة، فنحن لا نكون أمام شجاعة ولا انتصار، وإنما أمام سقوط أخلاقي يكشف حقيقة الثقافة التي تقف خلف الفعل.
وفي الذاكرة اليمنية والإسلامية تتكرر مشاهد الصراع بين ثقافتين: ثقافة ترى للإنسان حرمته حتى في لحظة الحرب، وثقافة لا ترى في الخصم إلا جسداً مباحاً للامتهان. ومن هنا تستحضر الذاكرة قصة الإمام زيد بن علي عليه السلام وما ارتبط بمواجهته للأمويين من مواقف تكشف طبيعة الاستبداد السياسي والأخلاقي في ذلك العصر؛ فحين يصل الصراع إلى محاولة انتزاع كرامة الإنسان، يصبح الجسد نفسه ميداناً للصراع على القيم.
واليوم، ونحن أمام مشاهد مؤلمة متداولة عن التعامل مع أسير وجثمان شهيد في تعز، يحق لنا أن نسأل: أي ثقافة هذه التي ترى كشف عورة الميت أو التشفي بجسده انتصاراً؟
وأي شجاعة تلك التي تحتاج إلى إهانة جثة لكي تثبت وجودها؟
إن من يظن أن كشف عورة جثة هو انتصار، فليعلم أن الفعل لا يكشف عورة الميت بقدر ما يكشف عورة الفاعل أخلاقياً وإنسانياً.
ليست تعز.. بل إساءة إلى تعز:
وقبل كل شيء، ينبغي أن يقال بوضوح: هذه الأفعال، إن ثبتت مسؤولية مرتكبيها، لا تمثل تعز ولا أبناء تعز الشرفاء، ولا تعبّر عن ثقافة المجتمع اليمني ولا عن أعرافه القبلية والأخلاقية.
تعز ليست صورةً لجثة تُهان، ولا مدينةً تُقاس أخلاق أبنائها بممارسات جماعات مسلحة.
ولذلك فإن أكبر إساءة يمكن أن تُرتكب بحق تعز هي تقديم هذه المشاهد للعالم باعتبارها صورتها وهويتها.
الدفاع عن تعز يبدأ أيضاً من رفض اختطاف اسمها وثقافتها من قبل أي جماعة تمارس الانتهاكات باسمها.
أما تحميل مجتمع كامل جريمة أفراد أو جماعة مسلحة، فهو ظلم آخر لا ينبغي الوقوع فيه.
الأسير ليس غنيمة.. والشهيد لا يُهان
الإسلام لم يجعل الحرب باباً لإلغاء الأخلاق.
فالخصومة لا تسقط حرمة الإنسان، والموت لا يجعل الجسد مباحاً للتمثيل والإهانة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
وحتى في أشد صور العداء، بقيت هناك حدود أخلاقية لا يجوز تجاوزها. ومن هنا فإن التنكيل بالجثامين والتشهير بها وتحويلها إلى مادة للاستعراض والرعب لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره فعلاً إسلامياً أو بطولةً عسكرية.
فالأسير إنسان، والشهيد إنسان، والجثمان له حرمته، والعدو الذي يقع في الأسر لا يصبح بلا كرامة.
ولهذا فإن التمثيل بالجثث لا يهزم الخصم؛ بل يهزم صاحبه أخلاقياً أمام نفسه وأمام الناس والتاريخ.
منطق الإرهاب: كسر الإنسان قبل كسر الميدان
هذه الممارسات ليست عشوائية في كثير من التجارب التي عرفتها المنطقة.
فقد استخدمت التنظيمات التكفيرية، وفي مقدمتها داعش، مشاهد التعذيب والقتل والتمثيل بالجثث باعتبارها أدوات للحرب النفسية: صناعة الخوف، وإرهاب المجتمع، وإرسال رسالة مفادها أن الجماعة قادرة على تجاوز كل الحدود.
وهنا تكمن خطورة تحويل الجريمة إلى مشهد إعلامي؛ فالهدف لا يعود قتل شخص واحد، وإنما محاولة قتل معنويات مجتمع كامل.
إنها معادلة تقوم على نزع الإنسانية عن الضحية أولاً، ثم إقناع الجاني بأن كل شيء مباح بعد ذلك.
وهذا هو جوهر الثقافة التكفيرية: تحويل الخصم من إنسان إلى "هدف"، ثم إسقاط كل القيود الأخلاقية والدينية في التعامل معه.
أما الحديث عن أن مثل هذه الممارسات تمثل بالضرورة مشروعاً "مصطنعاً" من الولايات المتحدة وإسرائيل، فيحتاج إلى أدلة محددة لكل واقعة؛ لكن الثابت تاريخياً أن القوى الدولية والإقليمية وظفت جماعات مسلحة وأدوات محلية في صراعاتها، وأن الإرهاب والتطرف كانا جزءاً من معادلات الصراع في المنطقة.
الإمام زيد يتكرر في كل زمان
الإمام زيد عليه السلام لم يكن مشروعه إهانة الإنسان، وإنما مواجهة الظلم والانحراف والاستبداد.
ولهذا فإن استحضاره اليوم ينبغي ألا يكون مجرد شعار؛ بل معياراً أخلاقياً: ماذا بقي من الدين إذا سقطت الرحمة؟
وماذا بقي من الشجاعة إذا احتاجت إلى جثة أعزل كي تستعرض قوتها؟
إن الذين يمارسون التشفي بالأسرى والجثامين لا يقدمون أنفسهم أقوياء؛ بل يقدمون دليلاً على خوفهم من الإنسان حتى بعد موته.
فالقوي حقاً هو من يستطيع أن ينتصر دون أن يفقد إنسانيته.
معركة بين ثقافتين
وهنا تتضح المسألة بصورة أعمق.
المعركة ليست فقط بين بندقية وبندقية، ولا بين موقع عسكري وموقع عسكري؛ إنها أيضاً معركة بين ثقافتين:
ثقافة اليمن، أرض الإيمان والحكمة، التي تستمد من إرثها الديني والقبلي قيماً للنجدة والكرامة وحماية المستجير وصيانة حرمة الميت؛ وثقافة وافدة تقوم على التكفير والإقصاء وتحويل الخصومة إلى استباحة للإنسان.
وكما قال الإمام علي عليه السلام:
«الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».
هذه ليست عبارة عاطفية، بل قاعدة أخلاقية تختصر معنى الإنسانية في زمن الحرب.
فإذا كان الإنسان أخاً في الدين أو نظيراً في الخلق، فلا يجوز أن تتحول جثته إلى أداة للتشفي، ولا أسْره إلى مناسبة للإذلال، ولا موته إلى مسرح للاستعراض.
الخاتمة: الأخلاق هي آخر خطوط الدفاع
هذه الأفعال، أياً كان مرتكبوها، بعيدة عن الإسلام، وبعيدة عن أخلاق اليمن، وبعيدة عن قيم القبيلة التي عرفت عبر تاريخها حماية الجار والمستجير وإكرام الأسير وصيانة حرمة الموتى.
ومن هنا فإن إدانتها ليست دفاعاً عن طرف سياسي ضد طرف سياسي، وإنما دفاع عن الإنسان وعن صورة اليمن وعن حرمة الدين نفسه.
وإذا كانت الحرب تكشف الرجال، فإن التعامل مع الأسير والشهيد يكشف الأخلاق.
لقد قلنا منذ البداية إن المعركة بين ثقافتين وعقيدتين: ثقافة يمن الإيمان والحكمة المتأصلة في هذه الأرض، وثقافة التكفير والفتنة والعنف الوافدة عليها.
ومن أراد أن يعرف لماذا تنتصر ثقافة وتنهزم أخرى، فلينظر إلى أخلاق أصحابها عندما يملكون القوة.
فالنصر الحقيقي ليس أن تُهين جثة خصمك؛ النصر أن تبقى إنساناً وأنت قادر على الانتقام.
والهزيمة الحقيقية ليست خسارة موقع أو معركة؛ بل أن يفقد الإنسان أخلاقه ثم يظن أنه انتصر.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

