السياسية || محمد أحمد الجوهري*

من عهد نبي الله آدم -أبو البشرية- إلى يومنا هذا، والإنسان وجميع المخلوقات تهرب من الموت. حتى إن إبليس قبل هذا، عندما خرج عن أمر ربه وعصى الأمر الإلهي الذي أُعطي له، كان أول الباحثين عن الخلود؛ فهو عندما أعلن التحدي لذُرية آدم، كان لديه جميع المقومات والأساليب بحكم خبرته الكبيرة التي يمتلكها، والتي تتراكم إلى يومنا هذا. لكن كان هناك عائق يمنعه من القيام بهذا الدور -الذي هو إضلال ذُرية آدم جيلاً بعد جيل- ألا وهو الموت والفناء؛ فجميع المخلوقات فانية وموعودة بالهلاك. فطلب من الله أن يُنظره وأن يُبقيه حياً إلى يوم القيامة، فأعطاه الله ما طلب، ومن هذه اللحظة بدأ الشيطان الرجيم عملية الانتقام، وكان أول ضحية له هو نبي الله آدم -أبو البشر- وأمنا حواء؛ فاستطاع إقناعهما بأن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها رغم تحذير الله لهما. لكم أن تتخيلوا الأمر؛ أن الشيطان استطاع خداع نبي وزوجته رغم التحذير الإلهي لهما! فهذا كله كان عن طريق الرغبة في البقاء والخلود والثقة الزائدة. فليس كل من يتقمص لك الإيمان صادقاً، ورغم معرفة نبي الله آدم أن الشيطان عدو وتم تحذيره منه، إلا أنه صدقه وعصى أمر ربه. فالشيطان لا يأتي ليفرض عليك المعصية لكي تفعلها، بل يأتي لك من الباب الذي تميل له وتبحث عنه، فالنفس البشرية أمارة بالسوء إلا من رحم ربي.

فاستمرت الحرب بين حزب الله وحزب الشيطان إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة؛ فنحن اليوم حزبان لا ثالث لهما: من يريد الدنيا يختار طريق الشيطان وحزب الشيطان، ومن يريد الآخرة ويطمع في رحمة الله ومغفرته يختار الطريق الذي رسمها الله لنا، وسوف يستمر الصراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فنحن اليوم، وبعد أن بعث الله الكثير من الأنبياء والرسل لإقامة الحجة للناس لكي لا يضلوا ويتبعوا حزب الشيطان -وكان يبعث كل نبي إلى طائفة بعينها، وهذا من رحمة الله بعباده- حتى وصلنا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (رحمة للعالمين للبشرية جمعاء، ليس لأمة فقط)؛ استطاع إخراج البشرية من الظلمات إلى النور في وقت كان قد وصل الضلال ذروته، ووصل الطغيان والانحراف أعلى المراحل. فاستطاع رسول الله محمد -صلوات الله عليه- انتشال البشرية مما هم فيه، وأعاد تنظيم حياتهم وسن القوانين مستنداً إلى الدستور الإلهي "القرآن الكريم"، إلى أن وصل الإسلام إلى كل بقاع الدنيا، وأصبح المسلمون رقماً ودولة منظمة تتحدى الدول العظمى في وقتها كالفرس والروم.

وها نحن اليوم، بعد أكثر من 1400 سنة من بعثة رسول الله، أكثر من مليار مسلم و54 دولة إسلامية وعربية، المفترض أن يكون قد وصل الإسلام إلى مرحلة متقدمة، وأصبحت الأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة المسيطرة، ويصبح دين الإسلام الدين الأول ودين الأغلبية من الناس، لكن لا! نحن في واقع متخلف تماماً عن الواقع الذي رسمه الله ورسوله لنا. نعم نحن أمة لا تملك من الإسلام إلا الاسم فقط، مسلمون بدون إسلام إلا من رحم ربي وهم قلة، أصبح حزب الشيطان هو المسيطر على الساحة، وأصبحنا بدل أن نأخذ الجزية من أهل الكتاب عن يد وهم صاغرون، ندفعها لهم أضعافاً مضاعفة عن يد ونحن صاغرون. أصبحنا أمة تهان وتستباح كرامتها، أمة أذلة على الكافرين أعزة على المسلمين، لا يوجد بيننا رحمة وأصبحت طبقيات وأجناس، بدل أن نكون دولة واحدة يداً واحدة أصبحنا عدة دول وممالك وسلاطين؛ أي ذل وصلنا له كأمة الإسلام؟ ألم يقل الله إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟ أين نحن وأين العزة المذكورة في القرآن الكريم؟ نحن ابتعدنا عن الإسلام المحمدي الأصيل. نتذكر عندما حصلت حادثة المرأة في بني قريضه من قبل اليهودي، امرأة مسلمة واحدة تحرك لأجلها رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريضة"؛ كلام في الصميم، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، هنا انتهى النقاش وأصبح مقياساً لكل مسلم.

وأين نحن الآن من كل هذا؟ مئات الآلاف من نساء المسلمين تقتل وتستباح أعراضهن في العديد من الدول العربية وعلى رأسها فلسطين. أين الغيرة المحمدية؟ أين النخوة؟ أين الدين؟ حتى إن دولاً عربية إسلامية تحاصر إخوانها المسلمين وتقف مع عدو الأمة ضد أبناء الأمة، كما يحدث في فلسطين من قبل دول الطوق والدول المطبعة، وكما يحدث في اليمن من قبل السعودية ودول التحالف، وكما يحدث مع الجمهورية الإسلامية في إيران في حربها مع الولايات المتحدة الأمريكية. بدل من الاتجاه إلى تنفيذ التوجيهات الإلهية والتوحد كأمة مسلمة ضد عدو الأمة، اتجهوا للوقوف مع عدو الأمة، وجعلوا من أراضي الأمة منطلقاً لقصف أبناء هذه الأمة، واستُخدم سلاح ومقدرات وأموال الأمة لتفكيك أحرار هذه الأمة، حتى إن الأمر لم يكتفِ عند هذا الحد، بل استُخدم الدين ومنبر رسول الله للفتاوى وتخدير هذه الأمة وقتل أبنائها عن طريق علماء السوء الذين يتبعون أسلوب ونهج قائدهم وكبيرهم الشيطان اللعين؛ فهو أول من استخدم هذا الأسلوب مع نبي الله آدم.

نعم، أصبح من يحكم هذه الأمة أراذلها، فيجب علينا كأمة مسلمة واحدة أن نتبرأ من كل فاسد وطاغٍ لا يمثل الدين المحمدي الأصيل، وأن نتجه ونلتف حول أعلام الهدى الذين يمثلون الإسلام المحمدي الأصيل، وأكبر شاهد على هذا هو محور المقاومة. نعم، إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لا يوجد إسلام ذليل، لا يوجد إسلام منبطح، وهناك العديد من الشواهد وعلى رأسها ما قام به حزب الله من إذلال وتنكيل للكيان الغاصب، وما قامت به إيران من ملاحم أسطورية ضد العدو الأمريكي وحلفائه في المنطقة، ولا ننسى الصمود الذي مثله الشعب اليمني المسلم المجاهد في وجه أعتى عدوان غاشم منذ أكثر من 11 عاماً، وسوف تستمر المعركة بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فعلى كل شخص تحديد موقفه قبل فوات الأوان، ونسأل الله الثبات.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب