علي الهمداني*

إن الارتباط الروحي والتاريخي بين اليمن والإمام زيد عليه السلام ليس ارتباطاً عابراً أو مجرد استجرار عاطفي لأحداث الماضي، بل هو تلاحم وجودي وفكري وثيق البنيان.
لقد تلقف اليمانيون أطروحات الإمام زيد الفكرية وحركته الثقافية والجهادية منذ وقت مبكر، ورأوا في مبدأ "الخروج" الذي أصله وفق ضوابط شرعية وأخلاقية صارمة، أداة شرعية وإنسانية للتخلص من الاستبداد السياسي الذي كان يحاول فرض شرعية الإذعان على الأمة.

لم تكن الهوية اليمنية عبر العصور مجرد جغرافيا، بل كانت منطلقاً لمدارس فكرية وفقهية جعلت من العدل والتوحيد ركيزتين أساسيتين، واعتبرت السكوت على الظالمين شقاقاً ينافي جوهر الإيمان؛ لذا فإن إحياء ذكرى استشهاد الامام زيد عليه السلام في اليمن يمثل تجديداً للعهد مع تلك المبادئ التي صبغت الشخصية اليمنية بطابع الأنفة والرفض المطلق للتبعية والوصاية.

حين نعود بالذاكرة إلى الخلف لنقرأ الأسباب الكامنة وراء خروج الإمام زيد، نجد أنها لم تكن رغبة في سلطة أو طلباً لمكاسب زائلة، بل كانت صرخة واعية في وجه منظومة سياسية واجتماعية انحرفت عن خط العدالة النبوية وعطلت أحكام القرآن الكريم وعاثت في أموال الأمة ومقدراتها. لقد تحرك الإمام زيد في بيئة سادها الخوف والصمت، حيث استمرأ الكثيرون العافية والمداهنة، فجاءت حركته لتكسر هذا الجمود ولتثبت أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسؤولية عامة لا تسقط بالتقادم أو بالخوف من بطش الطغاة. وكان من الطبيعي أن يجد هذا الفكر الثوري النقي صداه العميق في أوساط اليمنيين الذين جبلوا على رفض الضيم، فاستوطنت المدرسة الزيدية جبال اليمن ووديانها، وتداخلت مع الموروث القيمي لليمنيين لتشكل سداً منيعاً ضد محاولات التدجين والاستعمار الفكري عبر القرون.

وفي العصر الحديث والمعاصر، يكتسب استحضار ذكرى استشهاد الامام زيد عليه السلام في الساحة اليمنية أبعاداً بالغة الأهمية والحساسية، خصوصاً في ظل التحولات العميقة والمنعطفات القاسية التي مر بها اليمن ولا يزال.

إن اليمنيين وهم يواجهون التحديات السياسية والاقتصادية والأطماع الخارجية المستمرة، يقرأون في سيرة الإمام زيد عليه السلام خارطة طريق واضحة المعالم لمواجهة الأزمات.
إن الفكرة الأساسية التي أرساها الإمام زيد بدمائه الزكية هي أن كلفة الاستسلام للظلم والهوان تفوق بكثير كلفة التضحية من أجل الحرية والكرامة، وأن الصبر على الضيم لا يورث إلا مزيداً من الضعف والتلاشي.

هذه الرؤية تكاد تكون هي المحرك الأساسي للصمود اليماني الأسطوري في وجه كل العواصف والحروب، حيث يستمد المقاتل والمثقف والمواطن العادي من إرث الامام زيد بن علي طاقة معنوية لا تنفد، تعينه على الصبر على الحصار والدمار والفقر في سبيل الحفاظ على سيادة بلده وقراره المستقل.

الجانب الآخر الذي ينبغي تأمله ملياً في هذه الذكرى هو البعد المعرفي والوعي الذي امتازت به حركة الإمام زيد، فهو الذي لُقب بـ "حليف القرآن"، في إشارة واضحة إلى أن حركته لم تكن عاطفية فجة أو قائمة على ردود الأفعال العفوية، بل كانت حركة مؤصلة معرفياً وقائمة على بصيرة نافذة بالواقع وبمقاصد الشريعة الإسلامية. وهذا الدرس بالتحديد هو ما يحتاجه اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالصراع المعاصر ليس صراعاً عسكرياً أو سياسياً بحتت، بل هو في جوهره صراع وعي وحرب مصطلحات ومحاولات مستمرة لتزييف الحقائق وتغييب العقول.

من هنا، فإن إحياء ذكرى استشهاد الإمام في اليمن يجب أن يتجاوز المظاهر الاحتفالية والخطابات الحماسية إلى تفعيل حركة الوعي والبصيرة، من خلال الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي والتحصين الفكري للشباب ضد الأفكار الدخيلة والمشاريع الهدامة التي تسعى لتفتيت النسيج الاجتماعي لليمنيين ونشر الفرقة والوهن بينهم.

إن المنهج الذي خطه الإمام زيد بدمائه يفرض على المجتمع اليمني بكل نخبته ومكوناته مراجعة دورية للذات، لفحص مدى الالتزام بقيم العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والمحسوبية والاستبداد بشتى أشكاله.

يمثل صمود اليمن المستلهم من مدرسة الإمام زيد رسالة واضحة لكل القوى الإقليمية والدولية التي تحاول فرض وصايتها على هذا البلد التاريخي العريق.

إن القراءة المتأنية للتاريخ اليمني تؤكد أن كل القوى التي حاولت استعباد هذا الشعب أو تجريده من حريته وقراره باءت بالفشل والهزيمة، لأن جينات الرفض والمقاومة متجذرة في هذا الشعب ومغذية بإرث ديني وفكري يرى في الشهادة فوزاً عظماً وفي العيش تحت وطأة الاحتلال والوصاية موتاً زؤاماً.

لذلك، فإن الذكرى السنوية لذكرى استشهاده هي مناسبة لإعادة التذكير بأن معادلة القوة في اليمن لا تقاس بحجم العتاد والمال والترسانة العسكرية، بل تقاس بحجم الوعي والارتباط بالقضايا العادلة وبالإرث الإيماني الذي يرى في التضحية واجباً مقدساً عند تعرض الوطن والأمة للخطر والاستهداف.

لا يمكن قراءة حركة الإمام زيد بمعزل عن السياق العام لحركة آل بيت رسول الله صلوات الله عليه وآله، وهي الحركة التي تمثل الامتداد الطبيعي لخط الرسالة في مواجهة خط الانحراف الجاهلي الذي حاول لبس عباءة الإسلام وتشويه مضامينه التحريرية.

واليمنيون بطبيعتهم العروبية النظيفة وبإسلامهم المبكر القائم على المحبة والولاء لرسول الله وأهل بيته، وجدوا أنفسهم بطبيعة الحال في خندق الدفاع عن هذا الخط الرسالي النقي، واعتبروا أنفسهم أنصاراً لكل من يسعى لإعادة الأمة إلى جادة الصواب.

هذا التموضع التاريخي جعل من اليمن رقماً صعباً في معادلة الصراع التاريخي المستمر بين الحق والباطل، وبين مشاريع التحرر ومشاريع الاستعباد، مما يفسر حجم الاستهداف الممنهج الذي يتعرض له اليمن في هويته واقتصاده ووحدته من قبل القوى الاستعمارية وأدواتها في المنطقة.

إن البصيرة الفائقة التي تميز بها الإمام زيد تتجلى في مقولته الشهيرة التي تناقلتها الأجيال: "والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا"، واليمن اليوم يترجم هذه المقولة عملياً من خلال تطوير قدراته الدفاعية والعسكرية وبناء جيش قوي يدافع عن السيادة الوطنية ويردع الأطماع الخارجية، مؤكداً للعالم أجمع أن زمن الاستضعاف قد ولى، وأن اليمن استعاد موقعه الطبيعي كقوة فاعلة ومؤثرة في المنطقة لا يمكن تجاوزها أو فرض الإملاءات عليها بأي حال من الأحوال.

ختاماً، يمكن القول إن ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي في اليمن ليست مجرد طقس سنوي للبكاء على أطلال التاريخ أو اجترار المآسي، بل هي محطة للتزود بالوعي والبصيرة، ومناسبة وطنية ودينية كبرى لتجديد الطاقات ومواصلة السير في طريق التحرر والاستقلال وبناء الدولة العادلة.

فالإمام زيد يمثل رمزاً جامعاً لكل الأحرار، ونبراساً يضيء دروب العزة في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن وضاعت فيه معالم الحق لدى الكثيرين، ليبقى اليمن بفعل هذا الارتباط الفكري والروحي منيعاً على الانكسار، ثابتاً في مواقفه، ومتطلعاً على الدوام نحو مستقبل مشرق يسوده العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب