السياسية || علي مجمل حمزة*

لا شك أن الوضع الراهن يكبد اليمن، شماله وجنوبه، خسائر فادحة جراء استنزاف معيشي منهك، يتطلب الوقوف بحزم أمام تداعيات المرحلة التي يعاني فيها المواطن البسيط، الذي لا يريد سوى لقمة العيش الكريمة، ناهيك عن باقي المتطلبات المعيشية من صحة وأمان والتي لم يستطع المواطن اليمني الوصول إليها. وهذا ليس لأنه أراد هذا الوضع، ولكنه وجد نفسه في بلاد تسعى إلى تدميرها قوى إقليمية بسبب موقع اليمن الاستراتيجي المتميز، والغني بالمواقع المسيطرة على طرق التجارة البرية والبحرية، مما يؤهله لأن يكون مركز قوة إقليمياً يحدد مصير كثير من البلدان. وهذا ما جعل التركيز عليه وجرّه إلى صراعات ليس له فيها أي ذنب، سوى أن هناك من يسعى إلى الاستفادة من هذا الموقع، والسماح للقوى الإقليمية بالتدخل في أراضيه.

ضعف القوى الداخلية والارتهان للقوى الخارجية.. هنا تكمن المشكلة؛ في عدم ترك القرار اليمني ليُتخذ من الداخل، بسبب تجنيد القوى الخارجية لأفراد ليس لهم قيمة وطنية، سوى أنهم أُمروا من الخارج لكي يسلّموا مقدرات البلاد للخارج، بما يسمح لهم بالسيطرة على القرارات الداخلية والتحول إلى أدوات يُدارون بها.

والفائدة تكون بأن يسيطر المرتزقة على ما يجعلهم يتنعمون بخيرات البلاد، مستغلين ما يُمنحون من دعم مالي كبير يمكنّهم من زيادة داعميهم حتى لا يخرج الأمر من أيديهم بشراء رؤوس القبائل وحواشيهم؛ فيكون النعيم لجزءٍ من الشعب، بينما تعيش غالبية الشعب في ضنك المعيشة، ولا يجدون سبيلاً لتحرير أنفسهم من هذا الجور إلا بأن يكونوا تحت وصاية أسيادهم لينالوا الفتات.

هنا، عندما يأتي عَلَمٌ تخرج من مدرسة العزة والكرامة ونهج القرآن لكي يقف أمام هذا الإعصار المدمر لكل الشعوب التي رضخت من قبل ونفذ عليها حكم الشيطان الأكبر، تتكالب عليه كل القوى الخارجية والداخلية ممن رضخوا للقليل وتركوا الاعتصام بحبل الله.
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
والذي لو سار الناس على نهجه لافلحوا وانتصروا وعاشوا في نعيم ورخاء من خيرات بلادهم. لكن هذا لن يكون لأن الناس خافوا على معايشهم ونسوا عزتهم، فذلّوا وهلكوا في صراعات وانقسامات تجرهم كلها إلى سبيل واحد: البحث عن لقمة العيش.

فقط وقفة مع الذات يتفكر فيها الإنسان ليعرف ما له وما عليه؛ وسيجد ركاب الخير مع علم الهدى السيد عبد الملك (سلام الله عليه)، الحريص في خطابه على جمع الشتات وترك صغائر الخلاف، حيث يسعى بكل مسؤولية لتوحيد الأمة الإسلامية لمعرفة حاضرها وما يدور عليها من حصار تقوده القوى الخارجية التي لا تسعى لراحتهم أو نعيمهم، بل إلى تعبيدهم وإهلاكهم ليكونوا وقوداً لراحة مجتمعاتهم التي أخذت من أراضينا كل مقومات الحياة وتركتنا في أقسى ظروف الحياة.

ولن يكون هذا بعد اليوم، فقد استوعب أغلبية الشعب أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه، ورغم معرفتهم بما تعنيه المرحلة من صراع سيأكل الأخضر واليابس، إلا أن ذلك أفضل بمرات من الخنق الذليل.
نعم، يدرك السيد عبد الملك (سلام الله عليه) تداعيات المرحلة المقبلة، لذا كان حريصاً على إقامة الحجة، وأعطى الفرصة تلو الفرصة حتى أقام الحجة على نفسه أنه قد بلّغ وأعذر وصبر، وهو مدرك أن أغلبية الشعب قد صبروا معه.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}
نعم، ليس الانتصار بالمنظار المادي في سحق العدو وتدميره فحسب والعالم كله يتآمر عليه، ولكن الانتصار الحقيقي هو في كف أذاه وإخراجه من أراضينا، وأن يكون قرارنا نابعاً منا وبأيدينا، وننعم بما تجود به أراضينا من خيرات.

إن الوضع يحتاج إلى الثبات والصبر وقوة الإرادة، وهذا ما يمتلكه الشعب الذي عرف أن مَن يحاصره ويؤلّبه على بعضه بأيدي مرتزقته ليس إلا عدواً يجب وقفه. ولن يكون هذا إلا بالتوكل على الله والجهاد، ويكفينا أن نعيش مقاومين، فذلك خيرٌ لنا من أن نعيش عبيداً.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب