السر الذي دمّر بن سلمان في اليمن
محمد الفرح*
بغض النظر عن أن للسعودية دورًا مرسومًا في المنطقة، وبغض النظر عن أطماعها التاريخية في الأراضي اليمنية، فإن هناك سببًا رئيسيًا يقف خلف الفشل والهزائم المتكررة، ويُفسّر إصرارها على تكرار الأخطاء وتجريب المجرّب.
لقد سقطت السعودية في فخ التقارير المضللة التي صوّرت لها حقيقة الشعب اليمني على غير ما هي عليه، وأوهمتها بأن من يواجه مشروعها واحتلالها لليمن هم "الحوثيون" فقط، وأنهم مجرد أقلية تُخرج الناس إلى الساحات والجبهات بالقوة، وأن القضاء عليهم أمر ممكن، وبعدها ستنضم بقية القبائل والشعب إلى صفها، إما بالمال أو بالترهيب، كما فعلت في نجد والحجاز، وستذوب مع مرور الزمن.
وبناءً على هذا الوهم، ضاعفت الحصار على الشعب اليمني، أملاً في أن ينفجر داخليًا ضد نفسه، وكثفت حملاتها الإعلامية، ونشرت الشائعات، وسخّرت كل أدوات الحرب النفسية لإيجاد حالة من الاضطراب الداخلي ضد من يواجهها.
وهذا الوهم ليس جديدًا، بل هو نفسه الوهم الذي دمّر نظام علي عبد الله صالح. فقد كانت تُرفع إليه التقارير بأن "الحوثيين" مجرد عصابة معزولة، وأن أبناء محافظة صعدة سينقلبون عليهم بمجرد وصول الجيش، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
وفي الحقيقة، ليست المسألة بهذه البساطة.
فاليمنيون، شعب حر يعتز باستقلاله، ويعرف أن السعودية عدو لا تريد لليمن الخير ولا تسعى إلا إلى إخضاعه وإبقائه تحت الوصاية السعودية والهيمنة الأمريكية.
صحيح أن هناك من التحق بالصف السعودي، لكنهم لا يمثلون الشعب اليمني، وإنما فئة لفظها المجتمع بعدما ارتبطت بالفساد والارتهان للخارج، ولم يعد يعنيها الوطن بقدر ما تعنيها مصالحها.
لكن عندما تبني السعودية خياراتها السياسية والإعلامية والعسكرية على هذا الوهم، فإن النتيجة الطبيعية هي الفشل المتكرر، لأن الشعب اليمني بكل أطيافه وفئاته لا يقبل الإذلال ولا الخضوع، وهو الذي صمد 12 عامًا في مواجهة الحرب والحصار، وهو الذي يخرج إلى الساحات طوعًا وقناعة، ويعتبر ذلك واجبًا دينيًا ووطنيًا، وفي اليمن لا يستطيع أحد أن يُخرج خمسة أشخاص بالقوة، فضلًا عن ملايين اليمنيين، في بلد الإيمان والحكمة.
أما الخطأ الأكبر، فهو اعتقاد السعودية أن أنصار الله مجرد أقلية، وأن القضاء عليهم سيُمكّنها من السيطرة على اليمن، وإعادته إلى دائرة النفوذ الأمريكي، ودفعه نحو التطبيع كما فعلت بأدواتها في أماكن أخرى.
وهذا تصور خاطئ من أساسه، لأن أنصار الله ليسوا حزب سياسي أو تنظيم حركي، وإنما مشروع ينطلق من القرآن الكريم باعتباره المرجعية الجامعة للمسلمين، ويتقدم في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب الدفاع عن استقلال اليمن وحريته ورفض الوصاية والتبعية.
والشعب اليمني الحر، يمن الإيمان والحكمة، بمختلف توجهاته، يعتز بأنه يتحرك تحت راية القرآن والجهاد، ويرفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ويرى في المواقف الحرة جوهرًا من جوهر الإسلام.
وقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح في الموقف العسكري والشعبي اليمني المساند للشعب الفلسطيني في البحر الأحمر وباب المندب، والذي حظي بتأييد شعبي واسع تجاوز الانتماءات الحزبية والمناطقية.
لذلك، على السعودية أن تدرك أن الواقع اليمني قد تغيّر، وأنه لا توجد أقلية يمكن استئصالها لتتمكن بعدها من السيطرة على اليمن.
ولو لم يبق في اليمن إلا النساء، لوجدت فيهن من العزة والحرية والإباء وتقديس الاستقلال ما يفوق ما لدى حكام المملكة.
ولا تظن أن بقية اليمنيين كالمرتزقة الذين استأجرتهم، يمكن أن يبيعوا أهلهم ووطنهم بحفنة من المال، ولا تصدق أن الجماهير التي تراها في الساحات تُساق بالقوة.
فلو لم يكن هذا الشعب مؤمنًا بعدالة قضيته، ومقتنعًا بمشروعه، ومستشعرًا حجم المظلومية التي تعرض لها، لما صمد كل هذه السنوات، ولما قاتل، ولما خرج إلى الساحات أصلًا.
فهذا شعب لا يستطيع أحد أن يفرض عليه شيئًا بالقوة، لا نحن ولا أنتم. إنه شعب حر، شعب مقاتل، شعب مؤمن، له تاريخه وهويته، ويختلف في طبيعته عن الشعوب التي اعتادت أن تُحكم بالقهر والإذلال.
وفي الأخير، على السعودية أن تدرك أن خروجها من اليمن ورفع الحظر والحصار عن اليمنيين اصبح تحصيل حاصل، لأنه حق مشروع ويرتبط بكرامتنا وحريتنا وضروريات العيش في الحياة.
وإذا لم يقاتل كل يمني من أجل ذلك، فما هو الشيء الذي يستحق القتال؟ بالتالي، فإن المماطلة ستكلفها الكثير أمام نتيجة حتمية لا يستطيع أحد أن يصادرها لا بالقوة ولا بالسياسة ولا بالدبلوماسية، فهي حق مكفول في كل الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية.
وعليها أن تغير العقلية التي تنظر من خلالها إلى اليمن، وتعلم أن الواقع قد تغير، وأن تجريب المجرب يعني تكرار الفشل والهزيمة، ولن يجر عليها إلا المزيد من الدمار والخسارة والسمعة السيئة والتدهور الداخلي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

