طوفان الجنيد*
لم تكن كربلاء حادثة عابرة في سجل الصراعات، ولا مجرد محطة للحزن، بل كانت مشروعًا تاريخيًا لتفكيك بنى الاستبداد وإعادة تعريف موازين القوى بين القوة الظاهرية والحق. وإذا كانت عاشوراء لحظة الصدام واشتعال الشرارة، فإن أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) اليوم تمثل لحظة اكتمال الصورة الواضحة لما وصل إليه الاحرار واستلهام الدروس النظرية العظيمة للطغاة والظالمين هذا العصر امريكا والكيان الصهيوني وأدواتهم حيث تتجلى حقيقة الانتصار الذي لا تقيسه موازين السيف، بل أثر الموقف في صناعة الوعي وتغيير مسار التاريخ.
لقد بدا المشهد يوم العاشر، وفق الحسابات المادية، وكأن القوة قد انتصرت جيش يمتلك العدد والعدة، وسيطرة ميدانية، وانتهت المعركة باستشهاد الإمام الحسين وأصحابه عليهم السلام لكن الأربعين هذا العام جاءت لتقلب هذه المعادلة؛ إذ تحولت حركة السبايا، وفي مقدمتهم السيدة زينب والإمام زين العابدين (عليهما السلام)، إلى منصة لكسر احتكار السلطة للرواية، وكشف حقيقة الجريمة، وتحويل الشهادة من نهاية إلى بداية لمشروع وعي وحركة اجتماعية ممتدة.
ومن هناأصبحت كربلاء مدرسة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فـ«هيهات منا الذلة» لم تعد شعارًا تاريخيًا، بل مبدأً متجددًا في مواجهة الاستبداد والاحتلال. وفي هذا السياق يمكن قراءة الصلة الرمزية بين كربلاء الطف وعملية طوفان الأقصى؛ فكما واجه الإمام الحسين الحصار والحرمان والضغط للاستسلام، يواجه الشعب الفلسطيني في غزة حصارًا وحربًا مدمرة، لتتجدد معاني الصمود ورفض الخضوع.وكذالك في باقي المحور المقاوم
ففي اليمن، تجسدت هذه الروح في مواجهة التحديات العسكرية والاقتصادية، وفي تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرة، وفي التأثير في معادلات البحر الأحمر وباب المندب. كما ظهرت في إيران عبر تطوير منظومة الردع والقدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى، بما عزز معادلة الردع الإقليمي ورفع كلفة أي مواجهة مباشرة.
استراتيجية المرحلة المقبلة: من تشتت الجبهات إلى ترابط الساحات
تكشف هذه التحولات عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تقوم على ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولًا: تكامل الساحات والجبهات
لم تعد المواجهة محصورة في ساحة واحدة، بل باتت مترابطة سياسيًا وعسكريًا، بما يجعل استفراد أي طرف أكثر صعوبة.
ثانيًا: إعادة تعريف القوة البحرية
أظهرت التطورات في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز أن الممرات الاستراتيجية البحرية يمكن أن تتحول من أدوات نفوذ إلى ساحات ضغط وردع، وأن التفوق البحري لا يعني بالضرورة السيطرة المطلقة على البيئة البحرية.
ثالثًا: تراجع مفهوم الحماية المطلقة
كشفت الصواريخ والمسيّرات وتطور القدرات العسكرية الإقليمية أن القواعد العسكرية والمنظومات الدفاعية لا توفر حصانة كاملة، وأن تكلفة الحرب أصبحت عاملًا حاسمًا في حسابات القوى الكبرى.
وتتوج هذه المعاني في زيارة الأربعين، التي تحولت إلى طوفان بشري عالمي عارم يجسد قيم التضامن والإيثار والارتباط بالنهضة الحسينية. وهي، في بعدها الرمزي، تذكير بأن الأفكار التي تُروى بدم الشهداء لا تموت، بل تتحول إلى وعي متجدد.
وهكذا تضع الأربعينية أمام الطغاة درسًا لا يتغير: قد ينتصر السيف في معركة، لكن الحقيقة هي التي تنتصر في التاريخ. لقد انتصر دم الحسين على السيف في كربلاء، وبقيت رسالته حيّة؛ لتظل الأربعين جسرًا بين الذاكرة والمستقبل، وبين كربلاء وكل شعب يرفض أن يحوّل الخوف إلى قدراجباري والاستسلام إلى خيارحتمي.
*المقال يعبر عن راي الكاتب