السياسية:



دشّن مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات بصنعاء، اليوم، أول إصداراته بكتاب "الصهيونية العربية.. ومآلات القضية الفلسطينية"، بمشاركة نخبة من الباحثين والكتاب.

تناول الإصدار، ظاهرة الصهيونية العربية من جوانب تاريخية وسياسية وإعلامية، وعلاقتها بالمشروع الصهيوني ومسار التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني.

وفي التدشّين، الذي حضره وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية والقنصلية، السفير عبدالله صبري، أوضح رئيس مجلس أمناء مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات - عميد كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، الدكتور هاني المغلس، أن الحديث عن الصهيونية العربية يثير الكثير من الشكوك والتساؤلات، قد لا يكون المفهوم واضحًا للكثير، فيما قد يكون واضحًا إذا ما تم النظر إلى السياق المحيط والمواقف تجاه القضية الفلسطينية وقضايا الأمة عمومًا.

وأشار إلى أن الكتاب لا يهدف إلى صناعة حالة من الجدل، وإنما إلى تقديم مفهوم تحليلي يمكن من خلاله دراسة وتحليل ونقد ظاهرة تستفحل في الساحة العربية، تحتاج للمزيد من الرصد وتحديد ملامحها وتفكيك أساليبها الخفية، سواء إعلامية أو اقتصادية أو سياسية.

وبيّن المغلس، أن ما تطرحه الصهيونية العربية اليوم يتجاوز فكرة التعايش أو القبول بالمشروع الصهيوني، للدعوة إلى الالتقاء معه وتمكينه في المنطقة، في ظل حالة من الانهزامية والاستلاب الحضاري والثقافي وصلت إلى إعادة صياغة السرديات بما يتوافق وينسجم مع ما تريده الصهيونية في هذه المرحلة.

وقال "ما تريده الصهيونية لم يعد مجرد دولة أو كيان يقبل به الآخرون، إنما هيمنة كاملة ومطلقة على المنطقة ضمن ما يسمى بـ "المشروع الصهيوني أو مشروع الشرق الأوسط"، مبينًا أن مفهوم الصهيونية العربية، بوصفه أداة تحليلية، يجمع أنظمة وأشخاصًا ومنتديات ومثقفين وإعلاميين وقطاعات واسعة تعمل بوسائل بعضها ظاهر وبعضها خفي.

وأضاف "غياب الوعي بهذا التيار وأدواته وأهدافه يجعل أبناء الأمة أو قطاعات منها فرائس أو ضحايا سهلة للصهيونية العربية"، مؤكدًا أن القصد من الكتاب ليس التصنيف أو فرز المواقف كغاية في حد ذاتها، إنما تشكيل حالة وعي بالظاهرة التي باتت تستفحل في المنطقة.

ولفت عميد كلية التجارة بجامعة صنعاء، إلى أن القبول بالصهيونية بما يتجاوز مجرد التعايش معها، والعمل على تمكينها اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، يرتبط بالمشروع الصهيوني الاستعماري، مؤكدًا أن الصهيونية والاستعمار صنوان لا يمكن الفصل بينهما.

واعتبر الكتاب، مجهودًا كبيرًا وعلامة مسجلة لمركز آفاق، داعيًا الإعلاميين والسياسيين والمفكرين والمثقفين إلى العمل على التعريف والوعي بمفهوم الصهيونية العربية لإبراز الظاهرة وتقدير أبعادها والتحذير من أساليبها وأهدافها.

بدوره، أوضح الكاتب والباحث الفلسطيني - عضو الهيئة الاستشارية لمركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، وعضو اتحاد الكتاب العرب واتحاد الأدباء والكتاب الفلسطيني الدكتور محمد البحيصي، أن محور الأمة، وهو محور الجهاد والمقاومة، يواجه أشرس حملة تتعرض لها الأمة عبر تاريخها، ويتصدى لأخطر مشروع إفسادي عرفته البشرية، ممثلة بالمشروع الصهيوني بشقيه المسيحي البروتستانتي واليهودي، بزعامة أمريكا وإسرائيل، وبريطانيا.

وأشار إلى أن كتاب "الصهيونية العربية ومآلات القضية الفلسطينية"، لمجموعة من الباحثين، يأتي في خضم المواجهة الشاملة والمنازلة الكبرى، معركة الوجود والهوية والوعي والاستقلال والتحرر واستعادة العزة والكرامة.

وعدّ الكتاب، باكورة إصدارات مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، يضيف مكونًا ثالثًا إلى مكونات المشروع الصهيوني بعد مكونيه المؤسسين: المسيحي البروتستانتي واليهودي.

وذكر البحيصي، أن هذا المكون هو الصهيونية العربية، التي اتخذها المركز عنوانًا لكتابه الأول، في إشارة للموقف السلبي والانهزامي لفئة من العرب تجاه قضية الأمة المركزية، "فلسطين" وتطوراتها، باعتبارها القضية المركزية التي تمثل بؤرة الصراع الكوني.

وأكد أن الأحداث برهنت على ذلك منذ بدايات القرن التاسع عشر وإلى اليوم، خاض محور الجهاد والمقاومة معركة تمايزت فيها الأنظمة والجماعات والأحزاب والهيئات والأفراد، على قاعدة الموقف من فلسطين ومظلومية شعبها وطوفان الأقصى ومسوغاته، الذي كشف الغطاء وأظهر حقيقة الجميع.

ولفت عضو الهيئة الاستشارية لمركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، إلى أن أهمية الكتاب تكمن في كشف الخطاب المتصهين وتعريته أمام الجمهور، من خلال سبر أغواره وتحليل مضامينه، وبيان خطورته على الوعي الجمعي العربي تجاه قضية "فلسطين" والصراع العربي الصهيوني، خاصة مع انكشاف مخططات الصهيونية تجاه المنطقة، سواء المتعلقة بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو مشروع إسرائيل الكبرى.

وبيّن أن موضوعات الكتاب الستة تتناول الصهيونية العربية تاريخيًا وسياسيًا وإعلاميًا، عبر القراءات العلمية والتحليل الواقعي، والانحياز للحقيقة ولهوية الأمة والقيم والمبادئ التي تجمع الإنسان بأخيه في الدين ونظيره في الخلق.

وتضمن الكتاب ستة محاور رئيسية، "الصهيونية العربية والموقف من طوفان الأقصى" للباحث عبدالله صبري، و"مدلول التطبيع وتطبيقاته الاستراتيجية الإسرائيلية" للباحث طالب الحسني، و"الإعلام العربي المعادي للمقاومة في غزة، دراسة في تحليل المضمون، قناة الحدث نموذجًا" للباحث عبدالحافظ معجب.

فيما تضمن الكتاب محاور بعنوان "السلطة الفلسطينية ودورها في المشروع الصهيوني ما بعد أوسلو حتى طوفان الأقصى" للإعلامية اللبنانية زينب الموسوي، و"اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل بين الواقعية والوقيعة السياسية" للباحث فؤاد النقاش، و"الجسر البري بين الإمارات وإسرائيل، التطبيع على حساب غزة وفلسطين" للباحث أحمد داود.

وتناول الباحث صبري، في المحور الأول "الصهيونية العربية والموقف من طوفان الأقصى"، مراحل تطور الصهيونية العربية ومدى اقترابها من الصهيونية اليهودية وانسجامها مع المشروع الصهيوني، بدءًا من فكرة الاعتراف والسلام والتعامل التجاري، وصولًا إلى التطبيع وتبنّي موقف العدو الإسرائيلي في عدوانه وجرائمه على غزة والأمة.

وأوضح أن نظام السادات في مصر كان أول من مثّل خرقًا للإجماع العربي الظاهري الذي تمثل في ولاءات الخرطوم الثلاث، حين طرح السلام خيارًا استراتيجيًا لتحرير بقية الأراضي المصرية المحتلة بالمفاوضات بعد حرب أكتوبر 1973م.

واعتبر صبري، هذا الطرح، رغم بدايته المقبولة والحذرة، بمثابة البذرة الأولى لما يمكن تسميته بالصهيونية العربية، وفتح الباب أمام اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ثم اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993، ووادي عربة مع الأردن في أكتوبر 1994.

وأشار إلى أن موجة التطبيع الأخيرة، ممثلة باتفاقيات "أبراهام"، الموقعة بين دول عربية وإسرائيل في البيت الأبيض في سبتمبر 2020م، شكلت ذروة التحلل السياسي من الالتزامات العربية تجاه القضية الفلسطينية، وأضفت على المسار التطبيعي السياسي صبغة ثقافية، كما تكشف مقولة "فلسطين ليست قضيتي"، التي يرددها متطرفو موجة التطبيع الحديثة.

وأكد الباحث عبدالله صبري، أن "طوفان الأقصى" كشف تيار الصهيونية العربية كتيار متغلغل وليس طارئًا، يتحرك بصورة منظمة ومنهجية بهدف تزييف الوعي وقلب الحقائق.

فيما تناول الباحث طالب الحسني في المحور الثاني "مدلول التطبيع وتطبيقاته الاستراتيجية الإسرائيلية"، تعريف الصهيونية العربية، التي تنطبق شعبيًا، على كل عربي يؤمن بالاحتلال الصهيوني ويناصره على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا، ويكفي أن يكون متنكرًا لحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف، ولحقه في المقاومة والتحرر من الاحتلال.

وأوضح أن مصطلح الصهيونية العربية على المستوى الرسمي، ينطبق على كل حاكم أو نظام ينخرط في التطبيع المباشر وغير المباشر مع العدو الصهيوني، ويعترف بكيانه ويتعامل معه ككيان شرعي، ويدخل في ذلك الأنظمة التي وقعت اتفاقيات سلام مع الكيان المتغطرس، بدءً بمصر والأردن، ثم الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، والسلطة الفلسطينية وغيرها.

ولفت الحسني إلى أن هذا التوصيف الجامع كافٍ لرصد الظواهر النظرية والعملية للصهيونية العربية والتعرف على أصحابها وتعريتهم أمام شعوبهم، مستعرضًا مفهوم التطبيع وتطبيقاته وفق النظرة الإسرائيلية، باعتباره مقدمة لأهداف استراتيجية مرتبطة بتطور الصراع ونتائج الحروب العسكرية ومبادئ القوة والمناورة السياسية وقوة الحليف.

وعرّج الباحث عبدالحافظ معجب في المحور الثالث على "الإعلام العربي المعادي للمقاومة في غزة .. دراسة في تحليل المضمون، قناة الحدث نموذجًا".

ورأى أن قناة الحديث تمثل الأنموذج الإعلامي المتماهي مع السردية الصهيونية في اتهام المقاومة بالتسبب فيما وصل إليه حال قطاع غزة، مع تبرئة الاحتلال من مجازره وحرب الإبادة التي يشنها على الشعب الفلسطيني، بل وتبرير تلك المجازر وتبنّي الإطار التفسيري الإسرائيلي للأحداث.

وخلص الباحث معجب إلى أن القناة لم تلتزم بمعايير التغطية المهنية المتوازنة في سياق نزاع غير متكافئ، بل قدمت خطابًا إعلاميًا يتسم بانحياز بنيوي واضح ضد المقاومة، تجلى على مستويات متعددة شملت اللغة والصورة والمصادر والأطر التفسيرية، بما يشير إلى وجود منظومة سردية متكاملة.

ودعا إلى تكثيف الدراسات النقدية حول الإعلام العربي الموجَّه، وبناء سردية إعلامية مهنية مضادة تُعيد الاعتبار للسياق القانوني والتاريخي للصراع، وتستثمر أدوات المقاومة المعرفية.

وفي المحور الرابع استعرضت الإعلامية زينب الموسوي دور السلطة الفلسطينية في المشروع الصهيوني ما بعد أوسلو حتى طوفان الأقصى"، ووصفتها بأنها من أحدث الكيانات السياسية إشكالًا وإثارةً للجدل في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

وأشارت إلى تحول السلطة الفلسطينية إلى أداة سياسية أمنية مندمجة في منظومة إدارة الصراع وفق الشروط الإسرائيلية الأمريكية، بما انعكس على إعادة تعريف طبيعة النزاع الفلسطيني وإعادة هندسة العلاقة مع الاحتلال.

وأوضحت الموسوي، أن ذلك ظهر بالاعتراف الفلسطيني بالكيان الصهيوني، مرورًا بالدور الوظيفي الأمني للأجهزة الأمنية وعقيدة التنسيق الأمني، وصولًا إلى فشل مشاريع الوحدة الفصائلية وتكريس الانقسام البنيوي في التمثيل السياسي الفلسطيني، وتقديم السلطة نفسها كجزء من النظام الإقليمي الداعم للتعايش مع الاحتلال والتعاون الأمني معه.

وذهبت إلى أن موقف السلطة الفلسطينية من المقاومة ومعركة "طوفان الأقصى" كان سلبيًا، باعتبار المقاومة تهديدًا وجوديًا لمشروعها السياسي، مبينة أن السلطة لم تتخلَّ، حتى في أكثر اللحظات الوطنية مصيرية، عن أداء دورها الوظيفي في خدمة الاحتلال.

واعتبر الباحث فؤاد النقاش في المحور الخامس اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 بين مصر وإسرائيل، نقطة تحول محورية في تاريخ الصراع العربي مع الكيان الصهيوني والجيوسياسي الإقليمية.

وأفاد بأن الاتفاقية، نقلت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية تُحدث أوسع خرق في الموقف العربي، وتبرم سلامًا رسميًا وتنهي حالة الحرب مع العدو الصهيوني، بما مهّد الطريق لموجات التطبيع اللاحقة وبروز ظاهرة التيار الصهيوني العربي، مشيرًا إلى أن هذا التيار تجاوز سيناريو الأرض مقابل السلام الذي طرحته اتفاقية كامب ديفيد وتبنته مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، إلى اتفاقيات "أبرهام" التي تبنت مشروع "السلام مقابل الازدهار والأمن المشترك"، متجاوزة بذلك كل ما له علاقة بفلسطين وكأنها غير موجودة.

ووصف معركة "طوفان الأقصى" وما تلاها من حرب إبادة في غزة باللحظة الحقيقية، التي اختبرت المسار المصري تجاه غزة، والتيار الصهيوني العربي المتواطئ، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن موقف النظام المصري الرافض تهجير أهل القطاع يُحسب له، لما يمثله التهجير من خطر وجودي مباشر على الأمن القومي المصري.

وتحدث المحور السادس والأخير المقدم من الباحث أحمد داوود عن "الجسر البري بين الإمارات وإسرائيل، التطبيع على حساب غزة وفلسطين"، مؤكدًا أن موقف دولة الإمارات من توقيع الاتفاقية الإبراهيمية عام 2020 كشف، عن دور تخريبي تجاوز الخطوط الوطنية والقومية والإسلامية وحتى الإنسانية.

وتناول دور الإمارات في مسار التطبيع والتبادل التجاري والثقافي مع الكيان الصهيوني، الذي اتسع بعد "طوفان الأقصى"، وبلغ حد إنشاء جسر بري ينطلق من دبي مرورًا بالسعودية والأردن وصولًا إلى حيفا في فلسطين المحتلة، لتغطية احتياجات العدو من البضائع والسلع والتخفيف من وطأة الحصار الذي فرضه اليمن على ميناء إيلات ومنع مرور السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، في معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" التي خاضها اليمن إسنادًا لغزة وانتصارًا للمظلومين من الشعب الفلسطيني.

ولفت الباحث داود إلى مواقف الشيخ زايد آل نهيان العروبية الداعمة للقضية الفلسطينية وسائر قضايا الأمة، مستحضرًا مقولته: "ليس النفط العربي أغلى من الدم العربي".

وتطرق إلى حجم الانقلاب الذي طرأ على سياسة الإمارات بعد وفاة الشيخ زايد عام 2004 ومجيء الحاكم الحالي محمد بن زايد، وبدء مسلسل التحالف مع الكيان الصهيوني، والطعن في مصالح شعوب الأمة، والتماهي مع المشاريع التي تستهدف تسويق خطاب العدو السياسي والإعلامي الطاعن في المقاومة والمقاومين.
سبأ