مبارك حزام العسالي*

كشف النفي الصادر عن المؤسسة العسكرية في صنعاء — بخصوص الافتراءات السعودية حول وجود "تهديد يمني" على مدينة مكة المكرمة — طبيعة السياسة الإعلامية المعتمدة للعدو السعودي، ووصوله لتوظيف المقدسات والرموز الدينية في كسب التضامن والتغطية على مسار عدوانه وحصاره المستمر على الشعب اليمني.

وفي البعد الميداني والتكتيكي، تُظهر المعطيات والميدانيات الموثقة أن العدوان السعودي يستغل موقع القواعد العسكرية القريبة جغرافياً ومباشرة من المشاعر المقدسة — وفي مقدمتها "قاعدة الملك فهد الجوية" في الطائف — كمراكز انطلاق رئيسية لإدارة العمليات الهجومية على الشعب اليمني؛ إذ أشار البيان الرسمي للمتحدث العسكري للقوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع إلى مشاركة مقاتلات "التايفون" من تلك القاعدة لشن الغارات العدوانية على الشعب اليمني.

ويهدف هذا التموضع بالقرب من المشاعر إلى خلق ما يمكن تسميته بـ "الدرع الجغرافي للمقدسات"؛ ففي حال مارست صنعاء حقها الطبيعي والدفاعي في الرد واستهداف مصدر النيران والقواعد المباشرة التي تُشن منها غارات العدوان، يسارع إعلام العدو السعودي إلى إيهام الرأي العام العربي والإسلامي بأن استهداف تلك القواعد المتاخمة يُعد "استهدافاً للمقدسات"، بغرض استدرار التضامن الشعبي وتغطية الفشل الميداني.

وبالاستناد إلى البيانات الرسمية الصادرة عن العميد يحيى سريع منذ بداية شهر سبتمبر الجاري، شهدت المحافظات اليمنية تصعيداً عدوانياً مكثفاً، حيث أُعلن رسمياً عن شن طيران العدوان السعودي أكثر من 300 غارة جوية خلال أيام معدودة من هذا الشهر، بينها 54 غارة في بيان 9 سبتمبر، شاركت فيها طائرات أقلعت من الطائف، و58 غارة في بيان 13 سبتمبر، إضافة إلى 54 غارة أُعلن عنها في 14 سبتمبر.

واستهدفت هذه الغارات محافظات تعز، لحج، الجوف، صعدة، حجة، والبيضاء، وأسفرت عن ارتقاء شهداء وسقوط جرحى في صفوف المدنيين وتدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية.

وهذا السلوك الإعلامي والسياسي يستحضر بالضرورة شريط الذاكرة التاريخية للقرارات الإقليمية؛ إذ يذكّر بأكبر عملية تضليل شهدتها المنطقة إبان حرب الخليج الثانية عام 1990م، عندما رُوّجت ادعاءات رسمية وإعلامية تزعم وجود مخاطر لاجتياح مكة المكرمة واحتلال الكعبة المشرفة.

وقد شَكّلت تلك الروايات المفبركة الغطاء السياسي والفقهي لاستدعاء القوات الأجنبية وبناء قواعد عسكرية دائمية في المنطقة عبر فتاوى ومواقف شرعنت التواجد الأجنبي وفرضت واقعاً جيوسياسياً تدفع الأمة ثمنه وتبعاته حتى اليوم، وهي ذات الأسطوانة التي يحاول العدو ترديدها وتوظيفها لاستقطاب العناصر التكفيرية من مختلف الشعوب تحت شماعة الدفاع عن مكة.

ومسار العلاقات اليمنية–السعودية يؤكد أن الرياض لم تُبنَ يوماً على مبادئ حسن الجوار أو الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، واستندت إلى عقيدة سياسية ترعى بقاء اليمن ضعيفاً ومقسماً وواقعاً تحت وصايتها وأجندتها.

غير أن التطورات العسكرية الأخيرة وصمود القوات المسلحة والشعب اليمني أمام مختلف صور تصعيد العدو وتحشيداته تدل بوضوح على أن الخيار الدفاعي لصنعاء يرتكز على استعادة القرار الوطني وتجريد العدو السعودي وأدواته من كل أوراق التضليل الميداني والسياسي، وقطع كافة أيدي التدخل الخارجي.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت